د. محمد حامد الغامدي

كومة تساؤلات ملونة

■ أكتب عن (زكمة). جاء دورها كحدث. احتلت نقاط قوى الجسد. ثلاثة أسابيع من المعاناة، تشتد وترتخي، تختلف حدة درجات سلمها المرضي، أشبه بعصابات الكر والفر. هل تأثرت (فيروسات) العرب بما يعانون ويحملون؟! لا أبحث عن إجابة. أبحث عن نفسي، وسط كومة التساؤلات الملونة، بصنوف أصباغ قهر التحمل ودرجاته. الأسئلة تحولت إلى ركام ليس له وجه. حتى (الفيروسات) العربية، سلاح على نفسها. ■ (زكمة) (هزّت) وحركت في أعماقي بيت شعر العرب، يحتل مكانا في ذاكرتي من المرحلة المتوسطة: نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة فكيف أبكي على شيء إذا ذهبا تساءلت: لماذا هذا البيت بالذات؟! قاد (هذيان) الحمى إلى حقيقة فلسفته الموجعة. مسمار في خاصرة كرامة الكلمة العربية. إليكم الدليل. ذهبت فلسطين، من اكترث؟! ذهبت الكرامة العربية، من اكترث؟! ذهب حلم الوحدة العربية، من اكترث؟! تفجرت الصراعات بطول وعرض الوطن العربي، من اكترث؟!. (فقط) لأن أنفسنا ذاهبة. تسطيح (غبي)، (أناني)، (ماحق). تسطيح يجب أن يعاقب عليه القانون والميثاق الدولي لإنقاذ العرب. كأنني أقول كعربي: نفسي وبس. الباقي في (جهنّم) وإليها. (شو هاظ) يا عرب. أصبحنا أقرب إلى عالم (الفيروسات) التي ليس لها علاج. ■ ذهبت للمستشفى، وصفت الحال. ملخصه أنني في وضع، كل يوم أسوأ من الذي قبله. لن أتحدث عن مهارات وعلم الأطباء. أحترم وظيفتهم وبدلة الإنسانية التي يحملون. قدّموا لي وصفة. غرفوا بكرم حبوب (الفيفادول). أردفوا معها حبوب فوارة (فيتامين سي)، ثم سلموني (صك) مراجعتهم. النتيجة: لم تتوقف المعاناة؛ التعب يزيد؛ الأوجاع تتوسّع؛ الارهاق ينتشر؛ الخمول يتعمّق. أسبوعان إلى أن كان يوم السبت (14/3/2015 الموافق 23/5/1436). نهاية أسبوع، وفيه جاء أبنائي وأحفادي من الرياض.تجمع الأحفاد حولي، كالعصافير الفرحة بالربيع. كنت مكسور الخاطر، حزينا على نفسي وعليهم، لم يتعودوا رؤيتي مريضا. قاومت حتى عصر السبت. ذهبت إلى السرير. هربت بنفسي وحالي. غادروا إلى الرياض دون توديع. بقيت وحدي حتى الثامنة مساء. جاء فوح الحمّى المتخمّرة. عرفت أن الحرارة مرتفعة. اتصلت تليفونيا بمن في البيت، طالبا حبيب الشعب (البندول). أحضروه.■ في الساعة العاشرة مساء، بلغت حرارة الجسم (38.8) درجة مئوية. صاحوا: إلى المستشفى أيها العنيد. سمعت صوتا بداخلي يقول: عن أي مستشفى تتحدثون؟! تذكرت أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا على الأغبياء. قلت: إلا في هذا الأمر يجب إعادة التاريخ. تذكرت أن جيشين هزمتهما البرودة. الفرنسي بقيادة (نابليون)، والألماني بقيادة (هتلر). استلهمت الحكمة، جاءت صرخة (طرزان) الغابة، إلى الحمّام، إلى المغطس، إلى الماء البارد. الموت للفيروسات، الحياة لنفسي.■ رميت بكتلة جسم يتراقص بردا وسط الماء. قاومت جيوش الفيروسات التي لا أرى. الصمود الصمود. خرجت مبللا. جففت الجسم. أعدت مقياس الحرارة إلى فمي. جاء صوته يقول: مبروك لم يتغير شيء. بلعت (فيفادول) للدعم. اعتبرت ثبات درجة الحرارة مؤشرا بالانتصار. وحدي في الغرفة، ميدان معركة التحدي والصمود. لجأت إلى برامج التواصل، أستعين بدعاء الأصدقاء. أنست إليهم قائلا: [أنا إن متّ يا رفاقي، واصلوا بعدي حمل راياتي]. ترافقه صورة جديدة سجلتها عدسة جريدة اليوم. هي الصورة المرفقة مع المقال. ندائي ليس تشاؤما، كان اعترافا بالحقيقة. مواجهة القدر ليس استسلاما، لكنه الأمل والتحدي بعينه. ■ الساعة الواحدة صباحا، كانت درجة الحرارة (36) مئوية. السابعة صباحا، كانت (36.7). حملت نفسي صباح يوم الأحد إلى المستشفى، شرحت لهم التفاصيل، قالوا: كل المؤشرات تقول إن لديك (زكمة) حادّة. ضحكت داخليا مع الفيروسات. هذا ما قلته من أيام (عاد) و(ثمود)، أعادوا ضخه إلى مسمعي. تحت ضغط نظراتي الحائرة والمتسائلة، قرروا التأكد من خلو الجسد من (إنفلونزا) الخنازير، ومن (الكرونا)، ومن أشياء أخرى لا أعلمها. زادوا من دعمهم بحبوب (الفيفادول). المراجعة (الثلاثاء)، لمعرفة النتائج. ■ في غرفة التنازلات لجمع العينات، تذكرت مشاهد صدام حسين، بغرفة (المردغة) الاستعمارية. حصلوا على مسحات بالطريقة التي تعاملوا معها مع صدام. الفرق كنت بين يدي ممرضة تتراقص أدبا، وخلقا، وإتقان عمل. مسحتان من أعماق فتحتي الأنف. الثالثة من أعماق الحلق. مسحات للبحث عن أسلحة الدمار الشامل. حينها أدركت أنهم كانوا يشخصون فيروسات العرب. انتهت الممرضة. وقفت كعربي مرفوع الرأس وسط حطامه، ينتظر يوم الثلاثاء، جاء ومضى بقصة حياة مستمرة.* أكاديمي - جامعة الملك فيصل