سقطات معرض الكتاب
لماذا نتغنى لقرون بسوق عكاظ؟ وحديثاً، كيف تعملقت بسطة مدبولي للكتب فأصبحت مكتبة يقصدها القراء من كل مكان؟ الإجابة القصيرة جداً: التنوع. ومعرض الرياض للكتاب مناسبة نتطلع لها ليس فقط لاقتناء الجديد من الكتب، والاطلاع على النشاط الثقافي في المملكة وحولها، وبدأ يؤسس لتجمع سنوي للناشرين والمثقفين ولمحبي الثقافة، بل كذلك لحضور ندوات المعرض التي شكلت وهجاً عبر ما تستقطبه من رواد للفكر والرأي، وما تختاره اللجان القائمة على المعرض من مواضيع. ولا ننسى ما يشكله من إثراء قدوم زرافات من المؤلفين لتوقيع كتبهم والالتقاء بقرائهم.سعيدون بمعرض رئيس للكتاب العربي تحتضنه عاصمتنا، الكتاب الذي هدد مهاجعه التقليدية عدم الاستقرار في بلدان عربية عديدة، فوجد في بلادنا –رعاها الله- محطاً وحضناً رؤوماً، وإقبالاً لرعايته والاهتمام بكل ما يعزز ويقوي ثقافة العرب ويبرز جمال وثراء لغتهم، ويميط اللثام عن قدرتها لتكون وعاءً لكل جديد. ضوابط عريضة، فمعرض الكتاب مناسبة لاستعراض المشارب الثقافية على تنوعها وتفاوتها وتعدد وجهات نظرها، إذ ليس القصد من معرض الكتاب أن يكون مجرد منفذ للبيع؛ فهو إن اكتفى بذلك الدور لما أضاف إضافة تؤهله للوهج والسؤدد. أما الإضافة فهو أن يجمع الأضداد تحت سقف واحد، ووفق ضوابط عدم التأجيج أو إثارة النعرات أو تسويق التكاره بين الناس، إذ ليس من الثقافة في شيء أن يؤتى بكتابٍ للتأليب والتفريق والتفتيت أو الابعاد. قد تتفاوت وجهات النظر، لكن معرض الكتاب هو ملتأم لعرض النتاج الثقافي الذي يمثل إضافة، لاسيما لما يكتب بلغتنا العربية الرائعة. أما الكتب التي لا تحقق ذلك فلا يجب أن يكون لها موضع، أي الكتب التي تروج للكراهية، فليس في نشر تلك الكتب إضافة بل نقصان. وهذا أمر بحاجة إلى ضبط وصرامة.أما الشق الذي لا يقل أهمية فهو شق الأنشطة التي يزخر بها المعرض، حيث تقام على هامشه العديد من الفعاليات الثقافية، وهي تمثل إضافة رئيسة مصاحبة للمعرض، وهي كذلك بحاجة لضبط، ولتسجيل ولحماية من التدخلات العنيفة؛ بمعنى أن وجهات النظر مهما كانت متعارضة يجب أن تعالج وفقاً لأصول الحوار، الذي نتحدث عنه ليل نهار، فحري بمثقفينا وأرباب الثقافة ومرتادي ندواتها أن يلتزموا بضوابطه، لأسباب عدة لعل من أبرزها أننا إن لم نتح المجال للآراء أن تُعرض فكيف نتعرف عليها، وكيف نناقشها؟ ففي حالات عدة فإن مَن ينقل لكَ الرأي عن مؤلفٍ أو مفكرٍ قد لا يكون نقله مُنصفاً أو كاملاً، وهكذا فعندما نأتي بالمفكر أو المؤلف أو الأستاذ الجامعي أو الروائي ليعرض وجهة نظره امام الحضور في معرض الكتاب، ثم يناقشه الحضور مناقشة فكرية هادئة عميقة في طرحها وليس عالية في صوتها ولا عنيفة في تناولها وغير متسرعة في قذف المخالف بالنعوت.. عندما يتحقق ذلك فهو كاف أن يكشف عن جوهر ووجاهة (أو سفاهة) وجهة النظر تلك، وبذلك يتحقق فهم أفضل لدى الجميع، وهذا هو القصد «أن نفهم أكثر»، لا أن يحضر أحدنا لندوةٍ ما وكأنه «خَتَمَ» العلم، فيتوقف عن استقبال ما يقال، بمعنى أنه لم يأت في الأساس ليستمع لما سيقوله المحاضر، بل أتى ليُرسل فقط دون الرغبة في الاستقبال! إذاً لماذا حَضَر؟ ولم المزايدة على القائمين على تنظيم هذه الفعاليات من حيث حرصهم ووعيهم؟ ولماذا أظن أنا أو أنت أن معارضتنا العنيفة لرأي متحدثٍ في ندوة من ندوات معرض الكتاب سيكون لها نفع وصدى أكثر من محاورة هادئة عميقة معه؟ ولماذا لا نأخذ في الاعتبار أن انتشار صخب تلك المشاجرات الثقافية لن يؤثر سلباً على مناسبة ثقافية عربية وطنية نريد لها أن تتطور لتصبح عنوان الثقافة العربية والالتئام العربي والالتفاف حول ثقافتنا ولغتنا في حضنها الأم وحصنها المنيع؟* متخصص في المعلوماتية والإنتاج