مباسط نسائية مهملة
كنت أستمع لمقابلة أجرتها إحدى المحطات الاذاعية مع بعض السيدات ممن يبعن في المباسط، وتحدثت مع إحداهن، وكانت مواطنة مسنة، تحمد الله وتشكره على فضله، وتقول: أنا بخير ومشكلتي الملاحقات من البلدية! وأخذت تبين أنها تبيع بما يكفيها للإنفاق على اسرتها، ولكن عندما تأتي البلدية وتربك عملها فيكون التأثير خسارة وإيذاء للمزاج! والبعض منا ينظر للمباسط باعتبار أنها مساعدة للفقراء، لكنها في الحقيقة نشاط تجاري معتبر منذ قرون وقرون، وعلى بعض البلديات ممن لم يصلها الخبر أن تخصص أمكنة لهذه المباسط، ودون تعسف، بمعنى أن تحفظ لهؤلاء النسوة الأماكن التي كن وكانت نسوة من قبلهن يبعن فيها بضائعهن. فمثلاً في الهفوف، منذ أن عرفت الدنيا أشتري "قحفيات" من بعض النسوة يبسطن أمام القيصرية، في آخر زيارة لي للأحساء الأسبوع الماضي، تطلب الأمر أن أسأل خبيراً، حتى وصلنا إلى المبسط.أدرك أن بعض المجالس البلدية اهتمت بالأمر، ومنها من أجرى دراسات ميدانية لفهم أوضاع المباسط النسائية، وما تعانيه، وكيف يمكن تحسين أوضاعها. لكن جل المجالس البلدية بعيدة عن هذا الأمر. لعله نشاط اقتصادي ثانوي، لكنه مهم، ما دام يحافظ على أود أُسر سعودية ويبعدهم عن ذل السؤال، وهو كذلك المنفذ الأهم والأكثر استقراراً للكثير من المنتجات التقليدية، وفي حال عدم السماح لهؤلاء النسوة بالبيع في أماكن استراتيجية، وتوفير وسائل الراحة لهن، فستكون المبيعات من نصيب محلات ليس واضحا وضعُ العمالة فيها بالضرورة، إضافة للأسعار المرتفعة.ويبدو أن ثمة حاجة لتنسيق بين وزارة الشؤون البلدية وبين وزارة الشؤون الاجتماعية لتحسين ظروف من يعملن في المباسط؛ فمثلاً ما المؤسسة السعودية الحكومية التي تُعنى بتمويل مشاريع الأسر المنتجة والمشاريع متناهية الصغرّ والمباسط، من حيث الترخيص والتمويل والدعم؟ وليس ملائماً إحالة هذه الأنشطة إلى الجمعيات الخيرية، بل ما علاقة الجمعيات الخيرية بالأمر؟! فتكاليف وأعباء التمويل متناهي الصغر هائلة فضلاً عن حاجتها لكادر متخصص. والأمر يتطلب التعامل معها باعتبارها مشاريع اقتصادية مقرها المنزل ومنافذ توزيعها –إجمالاً- المباسط. وغير خاف أن دعم الأسر المنتجة فيه تعزيز للمحتوى المحلي ونشر لمنتجاتنا الأثيرة، بدءا من الأطباق والحلويات إلى المنسوجات والمنتجات اليدوية الأخرى. وباعتبار مساحة المملكة وانتشار المدن والبلدات والقرى والهجر في أنحائها، فلابد من وجود آلية مبتكرة وفعالة لتقديم الدعم الملائم بشروط يسيرة، فكثير من هذه الأسر لا يرغبون أن تكون نواة مشروعهم هبة بل قرضاً حسناً يُرَدّ بعد تمكن المشروع من الوصول لنقطة التوازن وإيجابية التدفقات النقدية. وفي العديد من البلدان، هناك تراخيص تمنح لمؤسسات مالية متخصصة لتقدم التمويل متناهي الصغر (micro-finance)، وتعمل تلك المؤسسات مع الأسر وأصحاب المشاريع متناهية الصغر عن قرب لإنجاحها باعتبار أن ذلك هو الضمانة الوحيدة لسدادها للقرض، وتحصل المؤسسات على دعم حكومي يمكنها من تغطية تكاليف الإدارة والتمويل. والشق الآخر هو تمكين هذه الأسر من البيع عبر منافذ تقليدية هي المباسط والأكشاك، وأن يختار لها مواقع مميزة، وتخصص أماكن لتتمكن هؤلاء النسوة من تخزين بضائعهن بالقرب من المباسط وتوفير مكان لراحتهن. أترككم مع صور ذهنية من سوق الخميس، والنسوة كبيرات السن في مباسطهن يبعن الكثير من البضائع. كنا نعرفهن بأسمائهن، فإن تغيبت الواحدة منهن نتفقدها. وهكذا، يتعين علينا كمجتمع أن نفطن إلى أن أياً منهن ما كانت لتخرج من بيتها لتبسط، إلا مضطرة، فليس من المروءة أن نزيد حياتها صعوبة ومرارة.* متخصص في المعلوماتية والإنتاج