سالم اليامي

كُلُنْا نُحبها ولَكن

زيارتي الأخيرة لمدينة جدة غير عادية أبداً، كنت بصحبة عائلتي، نحمل عدداً قليلاً من الحقائب الصغيرة التي يسمح القانون بحملها داخل قمرة الطائرة والتي لا تضطرنا للانتظار في صالة استلام الأمتعة مدة تزيد على زمن الرحلة من الرياض إلى جدة.المهم ومع كل هذه الاحتياطات التي كان الهدف منها عدم إفساد العلاقة بيننا وبين هذه المدينة التي نحبها جميعاً كان لزاما أن نستأجر سيارة للاستخدام مدة إقامتنا، وبمفارقة غريبة تمت إجراءات استئجار السيارة وكتابة العقد ودفع المقدم واختيار نوعية المركبة وخلافه في دقائق معدودة، بينما استغرق استلام السيارة مدة من الزمن تكفي لإعادتنا إلى الرياض، فضلا عن أهوال الانتقال من صالات القدوم إلى مرابض السيارات المعدة للأجرة.كانت رحلة مرعبة ومذلة ومهينة، لن يتخيل من لم يمارس هذه التجربة انه من الطبيعي والعادي في مطار جدة المطار الذي يحمل اسم المؤسس الملك عبدالعزيز - غفر الله له - يحدث أن يحشر الناس في حافلة بشكل فوضوي في مقدمة الحافلة تتكوم الحقائب ويتوزع الركاب ونساؤهم وأطفالهم في جوف الحافلة على مقاعد متسخة ومليئة بالغبار والأتربة. لم أكن أتخيل أن يمتد بي العمر لأرى بوابة المدن الكبيرة في بلادي تعامل الناس بهذه القسوة، المفيد ركبنا زوجتي والآنسة ابنتي وأنا الحافلة مع عدد من الأسر وأطفالهم والحقائب تتكوم في المقدمة. السائق يرتدي ملابس رياضية ويغطي رأسه ويصرخ في الركاب للتأكد من أنهم من مكتري عربات الأجرة كي يتلطف بنقلهم إلى مواقع التأجير.كان يردد بشكل مزعج وباللغة العربية التي كان ينطقها على طريقته الآسيوية أسماء شركات التأجير التي تتقاسم مساحة ضيقة من الأرض في جزء من المطار في منطقة لا تختلف كثيرا عن مكبات النفايات في المدن الكبيرة. الأرضيات لم تعرف التعبيد أو الإسفلت وأنهار المياه تجري هنا وهناك والروائح تبعث من كل صوب. جلست في آخر مقعد متاح مقابل للحقائب المتكدسة، وكان يقاسمني المقعد شاب محرم، قلت له وأنا أجلس وأشير إلى الحقائب : أمامنا هذا المنظر أسوأ ما في الرحلة، قال لي : خلها على الله، وأردف : إذا كان العشاء بصلا، فاشبع بصلاً، قلت له - في ألم - وبعد أن أدركت انه لا يمانع في الحديث : أنا أعرف جدة ومطارها منذ أمد بعيد يوم أن كان المسافر يستلم سيارته من أمام صالة القدوم بكل تقدير واحترام كما يحدث في أغلب بلاد الله المتحضرة والثرية والنظيفة.ويبدو أنَّ صوتنا كان مرتفعا بعض الشيء كي نسمع بعضنا وسط ضجيج محرك الحافلة المتهالكة وهذا ما لفت انتباه شاب آخر كان يجلس عن يميني ويفصل بيني وبينه ممر ضيق بين صفي المقاعد التي تتوزع بشكل طولي عن يمين وشمال الحافلة. قال الشاب الجالس عن يميني في حماس: الوضع سيئ ولا يليق بنا كمسافرين أن ندفع مقابلا لهذه الخدمات، واستدرك : ولكن ربما يكون في الانتظار الخير الكثير لان أمير المنطقة خالد الفيصل عائد إلى موقعه ولا أظن الأمور ستستمر على هذا النحو، قلت : الكل مستبشر خيرا بعودة الأمير الذي يعرف الجميع انه يحمل الحب للمملكة ولمدنها وللناس فيها أكثر مما يحمل صفة المسئول. لكن هذا الحال كان موجودا منذ فترة إمارة سموه السابقة ! عاد الشاب الذي يقاسمني المقعد للحديث، وقال بصوت هادئ : أنت هكذا تنتقد، والمسئولون لا يحبون النقد. استوضحت منه بنفس النبرة ودرجة الصوت ما كان يقصده بقوله: المسئولون لا يحبون النقد، فقال وهو يعدل إحرامه ويعيد جزءا منه ليغطي كتفه الأيمن : يريدون المديح، قلت وكنت أوجه حديثي للرجلين عن يميني وشمالي: إن ما نتحدث عنه واقع يمكن لأي مسئول الوقوف على حقيقته المأساوية. أما الأمر الأهم فهو أن حديثي عن هذه الجزئية هو حديث عن خلل في موقع يعد واجهة للمملكة بأسرها، وإن كان سمو أمير منطقة مكة المكرمة هو المسئول الذي يعنيه الأمر، فلدي يقين أن رجلا مثله لا يمكن أن يغضب من شأن كهذا، لأنه ببساطة يحب جدة، ولا يمكن لرجل في أخلاق وحب وتفاني خالد الفيصل أن يغضب من مواطن دون ملاحظة صادفته في مكان عام. وهمَستُ في أذن الشابين بشطر بيت الشعر المشهور «لا يعرف الحقد من تعلو به الرتب» وأنا أكمل جملتي جاء دور الشاب المحرم لمغادرة الحافلة، وبعد أن أنزل أسرته أخذ يبحث في كومة الحقائب عما يخصه منها وينزلها بصعوبة بالغة وسط دعواتنا له بعمرة مقبولة، وفي المقابل كان يدعو الله ألا تضعه ولا تضعنا الظروف في هذا الموقف مرة أخرى، فرد عليه معظم الركاب بِصوتٍ واحد : " آمين".* مستشار وباحث في الشأن الدولي