د. سعود العماري

مهنة النبلاء وكلية الوزراء

كنت محامياً متدرباً منذ كنت طالباً في المرحلة المتوسطة، حيث كان والدي- رحمه الله- يطلب مني إعداد مذكرات الدعاوى والردود بصفته محامياً آنذاك. وكم كنت أصحبه إلى أروقة المحاكم وجلسات القضاء وأستمع إلى مرافعاته ومدافعاته لأنه كان محامياً بارعاً وكنت أتشرف بمساعدته لكونه كان بصيراً "كفيفاً" فتشربت هذه المهنة وحبها وأصبحت أتطلع إلى أن أكون محامياً مثل أبي، ومن شابه أباه فما ظلم. وقبل دراستي الجامعية، استشرت أحد أساتذتي آنذاك وسألته: كيف يمكن أن أكون محامياً ؟ فأجابني بقوله: عليك أن تلتحق بكلية الوزراء، فتبسمت مستغرباً ومتسائلاً فضحك وقال: لا تعجب، فكلية الحقوق أُطلق عليها العامة عندنا في مصر كلية الوزراء، لأن جل الوزراء من خريجي هذه الكلية.وبعد هذا، وفقني الله أن أكون أول مبتعث سعودي من المدرسة الأم - أرامكو السعودية - لدراسة القانون في الولايات المتحدة الأمريكية، وعدت إلى الوطن لأتشرف أن أكون أحد المنتسبين لهذه المهنة الشريفة. وقد يتساءل البعض ما سبب حبي لهذه المهنة؟ فأقول: إنني أحببتها بل عشقتها لأنها مهنة الفكر والعلم والنبل والأخلاق، إنها مهنة عريقة في أصلها، كالقضاء شريفة ضرورية كالعدل، مهنة الثقافة والخبرة والشجاعة والتمحيص، إنها مهنة البلاغة والمثابرة والثقة بالنفس، لذلك فليس مستغربا أن تُسمى مهنة النبلاء لسمو رسالتها.قال عنها ملك فرنسا لويس الثاني عشر: (لو لم أكن ملكاً لفرنسا لوددت أن أكون محامياً). ولا يعني هذا الوصف أن كل مَن ينتسب لهذه المهنة نبيل، فحال المنتسبين إليها كحال أي مهنة شريفة.ولقد سرني كثيراً، أن يتضمن التشكيل الوزاري الجديد في المملكة، كوكبة من خريجي القانون والشريعة، الذين هم بحق جديرون بهذا الاختيار الموفق من لدن خادم الحرمين الشريفين أيده الله، لأنه قد أدرك ما يتمتعون به من مهارات إبداعية؛ كالتفكير والتحليل والنقد والاستنباط والوفاء بمواعيد الإنجاز، وإجادة العمل، وغير ذلك من المهارات الأساسية التي يتمتع بها من يدرس العلوم القانونية والشرعية بعمق. كما ضم التشكيل الوزاري الجديد، الذي حاز ثقة خادم الحرمين الشريفين، نخبة من ذوي الكفاءات والخبرات العالية من الوزراء الفضلاء الذين يتمتعون هم الآخرون بدرجات عالية من التعليم، فكثير منهم يحملون مؤهلات عالية في الهندسة والاقتصاد واختصاصات أخرى مهمة، وكثير منهم حصلوا عليها من جامعات عريقة مثل هارفارد وأكسفورد.والجميل أن المملكة سبق وأن عينت وزراء من القانونيين أمثال الدكتور غازي القصيبي- يرحمه الله- والأستاذ أحمد زكي يماني، ولكن ليس بهذا العدد. الجدير بالذكر هنا، أن المملكة ليست الدولة الوحيدة التي سلكت هذا الاتجاه، بل عينت الكثير من الدول المتقدمة عددا كبيرا من وزرائها من خريجي القانون، كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا واليابان والصين والهند. وعلى المستوى العربي، فهناك الأمين الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي، والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، والحالي نبيل العربي، وغيرهم كثير. ومن حسن الطالع أن الحكومة الجديدة يمكن أن يصدق عليها وصف حكومة الشباب لأنها مطعمة بالدماء الشابة، فجمعت بين حيوية الشباب وتطلعاته لمستقبل مشرق، وعقول الرجال الذين ثقلتهم الخبرة والتجارب، مما يؤكد أن حكمة خادم الحرمين ورؤيته، تنطلقان من ماض تليد وحاضر مشرق ومستقبل طموح، وأسأل الله أن يحقق آمالنا ويوفق خادم الحرمين وحكومته لما فيه خير العباد والبلاد. وبهذا التوجه الموفق- إن شاء الله تعالى- لم تميز المملكة نفسها على المستوى العربي فحسب، ولكن واكبت الدول المتقدمة لتسير على خطى ثابتة لإحداث نقلة نوعية للمجتمع السعودي، الذي يراد به أن يكون مجتمعاً معرفياً، حتى يتمكن كل فرد- بمشيئة الله تعالى- من أن يكون مواطناً فاعلاً وصالحاً ليجني من ثمار النعم التي منَّ الله بها على هذه البلاد الغالية. المحامي والمستشار القانوني