ليبيات يضئن النفق
في الثلث الأخير من شهر يناير الماضي عقدت مجموعة من الناشطات الليبيات مثلن مختلف المناطق والجهات في بلادهن، وأجمعن على إعلان مطلبهن من أجل أن تنعم بلادهن بالسلام والديمقراطية والوحدة. حيث أقمن ورشة عمل نسائية ليبية امتدت ليومين اثنين في العاصمة التونسية تبنت بشكل جماعي تأييدهن لعملية الحوار التي ترعاها الأمم المتحدة للتقريب بين وجهات نظر الأطراف الليبية المتحاربة، ولإعلان حكومة وحدة وطنية تعيد الأمن والسلام لكل أهل ليبيا. وفي حركة الحوار بين الليبيين وتصاعد الدعوات الإقليمية والدولية للحلول السلمية وقبل ذلك لوقف القتال بشكل تام في ليبيا، لفتني وبقوة قدرة خمس وثلاثين سيدة ليبية سعين بجد ومسئولية للتقريب بين وجهات نظرهن ودعوة كل الليبيين إلى إلقاء السلاح. كما استوقفني اختيارهن الواعي لمفردات النصح للناس في ليبيا سياسيين وعسكريين وحزبيين وقيادات اجتماعية ومدنية بان الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة قد يكون الفرصة الأخيرة لإصلاح ما تم تدميره خلال الفترة الماضية. الصوت النسائي الليبي جاء بزخم خاص وتوجه لليبيين في المقام الأول في الداخل، ثم لدول الجوار العربي، حيث غطى أيام ورش العمل إعلاميا المركز الإعلامي للأمم المتحدة بالقاهرة، ودوليا حيث كانت مناشدتهن المجتمع الدولي للوقوف بجوار الليبيين. إضافة إلى أن الرعاية لهذه المشاركة المتفردة رُعيت من قبل الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي، ومن قبل الأمم المتحدة ممثلة في بعض وكالاتها المتخصصة بشأن تنمية المرأة والطفل، وأيضا برعاية من الاتحاد الأوروبي. الوضع الليبي الراهن هو في الحقيقة يراوح بين مجموعة الحالات المتردية على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية وهذه الدرجة من التردي الحاد توجب على الليبيين والليبيات طرق جميع الأبواب والسبل لإسماع أصواتهم الرافضة لاستمرار دوامة العنف والصراع، التي بدأت بوادرها تتبلور بين الليبيين في مطلع العام ٢٠١١م عقب الإعلان الدستوري الذي انبثق عنه المجلس الوطني الانتقالي، الذي مهد لأول انتخابات شهيرة في ليبيا في العام ٢٠١٢م أنتجت المؤتمر الوطني الليبي العام الذي كان في الواقع الحاضنة الأولى لصراع الليبيين السياسي والعسكري والمناطقي. في المؤتمر الوطني حاول حزب ما أن يسيطر ويقود البلاد باسم الثورة والثوار، هو في ذات الوقت ناصب العداء لحزب آخر تكون من تحالف عدد كبير من القوى السياسية، ومع اقتراب نهاية ولاية المؤتمر الوطني الليبي العام في السابع من فبراير ٢٠١٤م بدأت تطفو على السطح قوة المناطق وبدأت تتشكل مرحلة الفرز للفيالق والمجموعات والتشكيلات العسكرية في الأحياء والمدن. وفي أوضاع صعبة تم انتخاب مجلس النواب في النصف الثاني من العام ٢٠١٤م وجاءت قرارات المحكمة الدستورية العليا في حق مجلس النواب وشرعيته من عدمها لتدخل البلاد الليبية في أزمة النفق المتعدد الرؤوس أو المحنة الليبية الحالية التي تبرز في وجود حكومتين ومجلسين برلمانيين وقوى مسلحة على الأرض لا تخضع لقانون أو نظام نظرا للغياب التام لمفهوم سلطة الدولة. هنا تكون البلاد قد سارت في النفق الإجباري للحرب الأهلية بمفهومها العام، وكما تخبر تجارب التاريخ أن الدخول إلى نفق الحرب قد يكون أمرا غير محسوب بدقة، وان الخروج أو حتى محاولة الخروج من ذلك النفق تكلف الكثير من أمن الناس واستقرارهم وحياتهم ومستقبلهم. بعبارة أخرى ليبيا وشعبها يحاولون الخروج من متاهة الحرب الأهلية والمجتمع الدولي يؤكد ألا سبيل للخروج من هذه الدوامة إلا بالحوار والحلول السلمية التي تنتج الدولة والنظام والحياة من جديد. المرأة الليبية عموما وتجمع السيدات الليبيات اللائي صدحن بأصواتهن داعيات للسلام في ليبيا وفكرة التشبيه العام للوضع الحالي هناك بالنفق المظلم أعادني كل ذلك دون شعور مني إلى سنوات طويلة مضت عندما قرأت للمرة الأولى رواية ليبية مشهورة للقاص والروائي والدبلوماسي الليبي الأستاذ أحمد الفقيه. الرواية عنوانها امرأة واحدة تضيء النفق وجزء من قوة الرواية واهتمام النقاد والقراء بها أنها نجحت في إقناع القارئ بأنه يتلمس طريقه في نفق شديد الظلام، وان علاقة بطل الرواية بالمرأة كانت أحد السبل التي أضاءت له الخروج من ذلك التيه.النساء الليبيات يقمن اليوم بعمل جاد، وعلى الرغم من انه قد لا يُحدث آثارا ملموسة تنعكس على الأرض بإيقاف إطلاق النار بشكل تام، إلا انه يبقى عملا بارزا ويكفيه أن انتزع هذا التعاطف الدولي وقال بصوت مسموع : تعالوا للسلام جميعا. * مستشار وباحث في الشأن الدولي