وبناءً على ما سبق، ظهر خلال العقد الماضي مفهوم أو مصطلح جديد يُعرف اختصارًا بـ«FOMO»، ويعني «الخوف من أن يفوتك شيء»، أي أن المتابع لهذه المنصات يحرص على متابعة كل جديد أولًا بأول حتى لا يفوته خبر أو معلومة أو ترند أو حتى إشاعة. والمشكلة أن هذا الحرص قد يتحول إلى إدمان، وأن يطغى الاهتمام بالتفاصيل العابرة على ما هو أكثر أهمية في الحياة.
أضف إلى ذلك أن المتابع قد يشعر أحيانًا بأن الآخرين يعيشون حياة وتجارب أكثر متعة أو نجاحًا، بينما تبدو حياته العادية أقل إثارة، وكأنه خارج دائرة السعادة. ولذلك، تجد كثيرين يتفقدون هواتفهم في كل لحظة حتى لا تفوتهم أي تجربة أو مستجد. وهنا قد يقع الإنسان في فخ المقارنة بين واقعه وما يراه على الشاشات، مع أن كثيرًا مما يُنشر يعكس أفضل اللحظات فقط، ولا يمثل الصورة الكاملة للحياة، تمامًا كما تفعل المرشحات الرقمية «الفلاتر» في الصور. وصدق الشاعر حين قال:
وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ
ولكن عين السخط تبدي المساويا.
كما تُنسب إلى الكاتب الأمريكي مارك توين عبارة: «المقارنة هي موت الفرح». وبما أننا في فصل الصيف، حيث تكثر الرحلات والسفر لدى البعض، فليس من الضروري توثيق كل لحظة أو مشاركة كل تفصيل، فالصورة المنشورة لا تعكس دائمًا الواقع الكامل أو ظروف أصحابها.
وتشير بعض الأبحاث العلمية إلى أن هذه الظاهرة ترتبط بزيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، كما ترتبط بارتفاع مستويات القلق والتوتر، وتراجع الرضا عن الحياة نتيجة المقارنة المستمرة، فضلًا عن اضطرابات النوم المرتبطة بالمتابعة المتواصلة والانشغال بما يفعله الآخرون على المنصات الرقمية.
وفي المقابل، ظهر حديثًا مصطلح «JOMO»، ويعني «متعة تفويت الشيء»، وكأنه جاء استجابة طبيعية لهذا الواقع المتسارع. ويقوم هذا المفهوم على تقبل فكرة أن متابعة كل شيء أو المشاركة في كل ما يُنشر ليست ضرورة، وأن اختيار الابتعاد عن بعض الأنشطة الرقمية أو تقليل استخدام وسائل التواصل، بحسب الحاجة، قد يكون قرارًا صحيًا يمنح صاحبه مزيدًا من الهدوء والتركيز، بعيدًا عن الإشعارات والمقارنات المستمرة. كما يتيح وقتًا أكبر للعلاقات الأسرية والاجتماعية، أو حتى للتأمل والاهتمام بالنفس.
واسمحوا لي أن أصف واقعًا نلمسه في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يبدو أن جزءًا كبيرًا مما نشاهده أو نتابعه قد يكون مكررًا، أو لا يضيف قيمة حقيقية إلى حياتنا، فيستهلك الوقت والاهتمام دون فائدة تُذكر.
ومع تزايد الاعتماد على التقنيات الرقمية، تبرز أهمية الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا، حتى تبقى وسائل التواصل الاجتماعي أداة نافعة تدعم حياتنا، لا أن تستحوذ على وقتنا أو تؤثر في توازننا الشخصي.
@abdullaghannam



