أفيون السياسة
بعض العرب لديهم قابلية للاستعداء أكثر من السلم، وهم يفتشون في التاريخ عما يبعث الأحقاد في حاضرهم ومستقبلهم، وهم لا يتذكرون ولا يبحثون في ماضي الحضارة الإسلامية والعربية عما يعينهم على العظة التاريخية وتفادي الأزمات الغابرة، بل يستخرجون من تاريخهم أحداث الفتن والأزمات؛ ليبنوا على أنقاضها وركامها فتنا أخرى.. ليس عصيا على الفهم ملاحظة أن جل الاختلافات بين الطوائف العربية، هي تراكمات لضغائن تاريخية، استمدت ديمومتها من أجيال تداولوها بالوراثة، فرغم أن جبابرة التاريخ، وغيرهم من الفاسدين، وأولئك الذين ابتدعوا فتنا صغيرة أو كبيرة، جميعهم (شبعوا موتا) إلا أن كارهيهم أجادوا بحق توريث ضغائنهم وأحقادهم عبر سلسة من الأجيال. لماذا حدث هذا؟ الإجابة مجددا، لأن العرب لديهم قابلية للعداء أكثر من السلم، والدليل على ذلك أن معظم التيارات التي تنقسم لها العقليات العربية، -سواء من أولئك الذين يصنفون أنفسهم تابعين للتيار الديني أو بعض التابعين لطوائف معينة أو أولئك الليبراليين المزيفين- معظمهم يرددون في استشهادهم التاريخي ما يصب في تأجيج الاختلاف وأحيانا التحقير للمختلف، حتى أن الأجيال الجديدة تأثرت،وافتتنت بهذه الصيحة، لكنها طبقتها على التاريخ السياسي للدول العربية الحديثة، فأخذ بعضهم بالنبش في الأحداث السياسية التي تسوء بعض العرب، والتي حدثت في ظروف معينة لعدد من الدول؛ لنقلها لنا في مواقع التواصل الاجتماعي؛ بغرض اشعال فتن على أنقاضها عن طريق ادانتها في زمان ومكان غير لائق بها، فهذه أحداث قد ماتت ومات صانعوها.محزن أن ترى مواقع التواصل الاجتماعي التي تجمع العرب من جنسيات مختلفة، تعير بعضها وتكره بعضها بصورة علنية جسورة.. إذا كان العرب وغيرهم من العجم، لديهم قدرة جبارة في توريث الأجيال المتعاقبة قيما تحث على الكراهية والثأر، لماذا لم توظف هذه القدرة في الجانب المقابل. نحن نعاني حالة فكرية ونفسية لشعوب لا تلتفت للنداءات التي تحث على الوحدة، تحت مبدأ هوية وطنية تمثلها وتجمعها، في إطار وطني سياسي اجتماعي ثقافي لا يقبل الانقسام، بل إن النداءات التي تحث على ذلك تؤخذ على أنها سذاجة سياسية ملفقة للحفاظ على مصالح الحكومة.! بعض العرب عند محاولتهم أن يكونوا مسلمين بحق، يصبحون (دواعش)، وآخرون منهم عندما يرغب أحدهم في أن يصبح متحضرا ديموقراطيا يزج بنفسه في أحزاب أو تنظيمات حقوقية فاشلة فاسدة، تحرضه على سكب دمائه في المظاهرات والشوارع مقابل (لا شيء) سوى أهداف لجهات حاقدة، تصنع من الشباب دمى تحركها بأوهام حقوقية أو دينية لمصلحة انتقامية. حتى نكون منصفين، ليس العرب وحدهم من له قابلية للعداء أكثر من السلم، هناك من العجم من هو أشد حقدا وجرما، لم يصنع الخبز لشعبه وأبدله بسلاح يشبع به شهوة أحقاده. ليس العجب في فصيلة الحقد والجرم الذي يعانيه أولئك العجم، العجب من أبنائنا الذين يخلقون تحالفات معه؛ للاستعداء ليس على بني جلدتهم فحسب، بل الاستعداء على عروبتهم واسترخاصهم الدم العربي الثمين.. لنحذر من ذلك الذي يستخدم الورقة الطائفية؛ لانتزاع الهوية الوطنية، ولنكن يقظين دائما لكل من يستخدم الدين عموما لتحقيق مآربه. * إعلامية وباحثة اجتماعية