الطريق إلى غات
انطلق حوار الليبيين في مدينة جنيف السويسرية برعاية الأمم المتحدة ١٢ يناير ٢٠١٤ في جولته الأولى بمن حضر من القوى السياسية الليبية وبغياب كامل ومعلن من قوات فجر ليبيا أحد أبرز الخصمين الرئيسيين في الصراع الدائر هناك منذ أشهر. وسُجلت خطوة شجاعة للحضور من ممثلي مجلس النواب ومن غيرهم من الشخصيات المستقلة وممن يسمون بالنواب المقاطعين، الخطوة الأكثر جراءة سجلها ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، حيث إنه تنازل عن مطلب وقف إطلاق النار كشرط لبدء الحوار ، علاوة على انه نجح في إخراج الليبيين من الدائرة الضيقة داخل ليبيا وانطلق بهم إلى أفق أرحب وأكثر أمنا وقدرة على الحركة. ومن المتابعة الدقيقة لخطوات مبعوث الأمين العام لمعالجة الوضع بين الليبيين يتضح أن الرجل وضع أمامه اعتبارات مهمة في هذه العملية أبرزها، أن الخلاف بين الفرقاء عميق ولا يتوقع تضييق الهوة السياسية بينهم خلال وقت قصير ما يعني أن موضوع الحوار والحل والمصالحة قد يستغرق وقتا أكثر مما يتصور البعض. ثم إن الأطراف الليبية المشاركة هي الجهات المعنية بالدرجة الأولى بإنجاح المصالحة والوصول إلى اتفاق ينجز حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع. الأهم من كل ذلك أن السيد ليون أبان بوضوح وشفافية انه إذا لم يُقدر لجهوده النجاح وتحقيق السلم على الأرض الليبية، فإنه سينقل الملف الليبي برمته إلى مجلس الأمن للنظر في أمر الوضع الليبي بما يراه المجتمع الدولي عبر اجتراح قرارات جديدة تحقق لليبيين ما لم يستطيعوا تحقيقه لأنفسهم والاستعانة بتفعيل قرارات سابقة قد تصنع حلا إقليميا ودوليا للوضع في ليبيا. باختصار هذه الصورة العامة للمشهد الليبي العام في أعقاب جولة الحوار الأولى، ومع مُضي أسبوع على انطلاقة الحوار تعززت الصورة الايجابية بإعلان الجيش الوطني وقف العمليات العسكرية، وتلا ذلك إعلان قوات فجر ليبيا إعلانا مماثلا رغم تردد أحاديث في بعض الأوساط السياسية والعسكرية الليبية بحدوث انشقاقات في صفوف بعض الميليشيات الموالية لها مثل جيش الشروق. المهم أن العمل الايجابي الأبرز تمثل في إعلان المؤتمر الوطني الليبي العام الذي يدير ما يسمى حكومة الإنقاذ في طرابلس الذي يعد نظريا الجناح السياسي لقوات فجر ليبيا أعلن ١٩ يناير موافقته على الانضمام للحوار وهذا الجانب الايجابي العام في الإعلان. المؤتمر الوطني وعبر متحدثيه ألقى بظلال أقل ما يقال عنها: إنها غير مريحة على مسيرة التسوية بين الليبيين، حيث اشترط للمشاركة في الحوار أن يتم اطلاع المؤتمر على آليات الحوار ، وطبيعة الأطراف المشاركة في اللقاءات ونقل موقع الحوار من الخارج إلى الداخل وتحديدا إلى مدينة غات.أبرز ما يمكن التحذير منه في المرحلة المقبلة أن تلجأ الأطراف إلى ممارسة الإلغاء الكامل للخصم بناء على حجج يقال: إنها قانونية أو مستمدة من الإعلان الدستوري الذي بنيت عليه المرحلة الانتقالية منذ سقوط النظام السابق. ومن ذلك ما بَرَعَ في استخدامه المؤتمر الوطني الليبي العام فيما قبل حوارات غدامس التي لم تر النور ، حيث أصر قادة المؤتمر وربما بضغط من الأجنحة المسلحة التي تؤازرهم على تحقق النقاط التالية أولا: الاعتراف بحكم المحكمة الدستورية القاضي بحل مجلس النواب المنتخب في طبرق، وهو الكيان السياسي الوحيد المعترف به عالميا لتمثيل ليبيا والشعب الليبي. ثانيا: استمرار المؤتمر الوطني المنتهية ولايته منذ ٧فبراير ٢٠١٤م في السلطة. ثالثا: عدم إلغاء قانون العزل السياسي الذي كان أحد الأسباب في قسم الصف الليبي العام ودمر كثيرا من فرص العدالة الانتقالية بين الأطراف السياسية، رابعا: اعتبار مقاتلي فجر ليبيا نواة للجيش الليبي القادم. هذه الشروط والتعنت في تحقيقها كانت الأسباب الرئيسة في نسف فرص اللقاء والحوار في الماضي، وإذا أعيد طرحها من جديد فوق طاولة المفاوضات فقد تكون عواقبها وخيمة جدا على الأطراف الليبية وعلى دول الجوار وربما على الإقليم برمته. أما ما عدا ذلك من الأمور مثل نقل موقع اللقاء والحوار إلى الداخل الليبي فهو أمر ليس بتلك الصعوبة، خاصة إذا كانت الأوضاع الأمنية مستتبة ولا يخشى على أطراف الحوار وممثلي فريق الدعم والمساندة للأمم المتحدة في ليبيا من أي تهديد، فربما تكون مدينة غات الجنوبية الوادعة، البوابة الصحيحة للقاء والحل في ليبيا. * مستشار وباحث في الشأن الدولي