جوع لا يتوقف
في المقال السابق طرحت لغزا، أتحدث عن (استشعاري) للفساد، الشوارع مسرحه، تركتكم تتساءلون بحثا عن معرفته، اليوم أفصح لكم، من كلمتين، موجود في تقاطعات الشوارع، يتكون من لونين (أحمر) و(أخضر)، ما بينهما اللون (الأصفر)، مثبتة على أنابيب معدنية، بعضها ينحني على ظهر سماء الشارع، يقف أمامها الجميع، ليس احتراما، لكن خوفا ورهبة، هناك مخالفون متهورون، يُعاقبون بالغرامة المالية والسجن، لكن لماذا ينجو الفاسدون؟! قوم مخالفون، يقطعون جميع الألوان التحذيرية دون عقاب. تقف أمام (إشارة مرور)، ترى الفساد ماثلا أمامك، لكي تراه يجب أن (تستشعر) الخطر، ثم تقول: يا للهول، أمامك (8) إشارات، مضيئة في اتجاهك، تقول: قف، أو تقول: امض قيس، نفس العدد في كل الاتجاهات، مجموع عدد الإشارات في هذا التقاطع يصل إلى (32) إشارة، تحمل (96) مصباحا، أليس هذا تبذيرا للمال العام؟! هكذا (استشعرت) الخطورة، أربع إشارات تحمل (12) مصباحا تكفي، إشارة أمام كل اتجاه، السؤال (المودماني) لماذا كل هذه الإشارات؟! السؤال (الخنفشاري) لصالح من؟! أسئلة تطرح نفسها في ظل (استشعار) الخطر، نادت به الرسالة في اليوم (العالمي لمكافحة الفساد)، رفعت الجهة الحكومية، صاحبة رسالة الجوال صوتها قائلة: [استشعارك خطورة الفساد هو الخطوة الأولى لمحاربته]، نعود لنقول: لماذا كل هذه الإشارات في تقاطع واحد؟! بدأت أبحث عن مبررات، قلت: يمكن أن تكون جزءا من برامج سياحية غير معلنة، يمكن أن تكون جزءا من تزيين المدينة وتجميلها، يمكن أن تكون لإلهاء السائق أثناء الوقوف، بدلا من النظر في خلق الله على الشمال واليمين، أي لمنع (البحلقة)، وهناك ألف يمكن. فحصت النظر قريبا فوجدت أنني غير أعمى، هل هناك من يقود سيارته وهو أعمى، أو لا يرى التقاطع، نعرف أن إشارة المرور تهدف إلى السلامة، إلى منع الحوادث في التقاطعات، إلى تنظيم حركة السير، هذا في كل أرجاء الكون، عندنا يعني أن هناك من يربح بزيادة أعدادها في التقاطعات، ليس بيعا فقط، لكن صيانة ومتابعة، وبعد، هل تستطيعون حصر عدد الإشارات وبهذه الكثافة في كل مدينة؟! لم يدر بخلد مخترعها أنها ستصبح وسيلة للرزق، لكنها أصبحت كذلك في ارجاء العالم، في بعض أجزائه أصبحت جزءا من الفساد الظاهر الواضح، لكن من هو مخترعها؟! صممها مهندس إنجليزي، في (10 ديسمبر 1868) كانت أول اشارة ضوئية بالعالم، رفعوها أمام البرلمان البريطاني، كنتيجة كانت لندن أول مدينة عالمية تعرف الإشارة الضوئية، فهل نستطيع تحديد مكان أول إشارة مرورية بالمملكة؟! كالعادة، لا بد أن تضع أمريكا بصمتها على هذا الانجاز، طوروها، فكانت النسخة الثانية، نصبوها في ولاية (يوتا) (Utah) في عام (1912)، ثم كان هناك زحف نحو تحسينها إلى أن أصبحت في وضعها الحالي، إلا أن البرازيل استطاعت أن تؤسس مدينة بدون إشارات مرور، أيضا قبل أعوام تخلصت اليابان من إشارات المرور بشكل نهائي، بالمقارنة تزداد كثافة الإشارات المرورية في البلد، تنافس تكاثر السكان، البعض ينادي بتحديد النسل، لكنهم لم ينادوا بوقف زيادة الإشارات المرورية. جعل العرب نشيدا خاصة بإشارة المرور، النشيد للأطفال، بعد أن يئسوا من الكبار، كل كلماتها توجيهات لأطفال لا يعرفون القيادة، وغير مسموح لهم بقيادة السيارة، تقول كلماتها: [أحمر أصفر أخضر، يا راعي السيارة، أخضر أصفر أحمر، أوقف لو شفت الإشارة]، فهل كان لهذه الأغنية تأثير على واضعي الإشارات المرورية بهذه الكثافة؟! الإشارات بهذه الكثافة لم تحد من الحوادث، لم تحد من الخسائر، لم تعط أي فائدة إلا في كون الفرد يرى أمامه (8) مصابيح حمراء، مثلها صفراء، مثلها خضراء، استمتاع لا ينقصه غير احتفال بدخول الموسوعة العالمية للأرقام القياسية، هل هناك خطة لمثل هذا؟! نحن البلد الوحيد الذي يؤسس دوّارا ثم يقوم بوضع إشارات مرور حوله، العالم تخلّص من الدوّارات، ونحن لم نتوقف، ثم نعالج المشاكل بنصب إشارات مرور، وكان حلها ببساطة، كرتون قسائم مخالفات، بجانب كل دوار وتقاطع، و(هات) يا تحرير مخالفات على كل مخالف. نصب الإشارات المرورية بهذه الكثافة، ليس رحمة ورأفة، أو تشجيعا للمخالفين، هل هو جزء من نهب المال العام، وبطريقة نظامية؟! عمل يوحي ويقول، هل هذا تصرف رشيدا؟! (استشعار) الخطر يؤكد أن للفساد وسائلة للتحايل حتى على الأنظمة.* أكاديمي- جامعة الملك فيصل