الرغبة التي تزيدك عجزا
يبدو أن فكرة زواج المسيار لم تفقد جاذبيتها وبريقها في عقول وقلوب بعض رجالنا، رغم السمعة غير المرضية التي اشتهر بها هذا النوع من العبث الزواجي، خاصة في استغلاله كثيرا لعمليات احتيال ومتاجرة بالبشر. لقد أصبحت فكرة الزواج بهذه الطريقة أحد الخيارات والخطط التي يقدم عليها أكثر من بلغوا سن الخمسين من الرجال.! وهذا النوع من الهياج العاطفي لأفكار مثل هذه تجعلنا نؤمن بشدة بنظرية «مراهق الخمسين». وأنا هنا لا ألوم «رجال الخمسين» أو مراهقي الخمسين على هذه الأفكار التخبطية والعاطفية التي تنتابهم في هذه المرحلة، بل ألوم غفلتهم عن الوقت الذي سرقهم وزج بهم في هذه الدائرة، فسنواتهم الفائتة مرت سريعا وهم منشغلون عنها بأعمالهم وتسويف سعادتهم، بحيث أدركوا في هذه المرحلة غفلتهم وقرروا تدارك ما بقي لهم من الفحولة والعاطفة قبل نفادها. وللعلم ينتاب المرأة ذات الشعور ولكن بطريقة مختلفة، فبعض النساء تدرك في هذه السن أنها (سوفت) أمورا كثيرة تتعلق بعواطفها وسعادتها لكن الفارق بينها وبين أخيها الرجل يتمثل في أن خيارها في تدارك ما بقي لها من عاطفة وشعور بالشباب والحيوية مع شخص جديد يعتبر خيارا معدوما إلا في حالات نادرة، حين تكون صاحبة مال وجاه وتستطيع أن تنفصل عن زوجها الكبير وتتزوج بشاب صغير يدللها مقابل ما تجود به عليه. فالرجل حقيقة عندما يبلغ الخمسين يقال عنه إنه يمر بمرحلة (مراهقة الخمسين) بينما المرأة عندما تصل لهذا العمر توصم بأنها تمر بمرحلة (سن اليأس) فلا زواج مسيار أو مسفار يصلح لها كخيارات متاحة كما للرجل.. عموما قبل أن نتسرع الآن ونحسد الرجل على خياراته التي يستفرد بها عن المرأة في هذه الناحية علينا أن نفهم أن هذه الخيارات وتحديدا قضية «زواج المسيار» ما هي إلا مأزق يقع فيه معظم الرجال الباحثين عنه، فهو فعليا ضحية طمع مالي من وسطاء هذه الزيجة في أكثر الأحوال، وليست الخسارة المالية هي الضريبة المرتفعة في هذه الغلطة إنما حين يقع فريسة كيد النساء فتشي الزوجة الجديدة به عند زوجته الأولى نكاية فيه تحت أي عذر أو سبب، فيقع حينها فريسة النكد داخل البيت وخارجه.. العبرة هنا ليست في الدعوة إلى إيقاف العبث برابط شرعي بين رجل وامرأة قدسه الله تعالى وأعلى من قيمته حينما قال عنه «ميثاقا غليظا» واستهان به بعضهم تحت فتاوى معينة، ليس ذلك، إنما العبرة في أن البحث عن الحب -والاستمتاع به والرغبة الملحة في ابقائه سمة دائمة وليست مؤقتة في الحياة اليومية مع الجنس الآخر- يحتاج جهدا نبذله في بداية حياتنا وليس منتصفها أو نهايتها، يجب أن نتوخى الصواب والقناعة في اختيار الشريك الذي سنرتبط به، بحيث يكون متوافقا مع ذوقنا فكرا ومظهرا وسلوكا، فإن حدث وباغتنا الحظ بشريك لا يحقق لنا ذلك فالأفضل أن نحسم قراراتنا في البدايات وليس في النهايات أو الخمسينات، فمؤلم أن تفني سنوات طويلة من حياتك فاقدا للذة الحب أو الإشباع العاطفي تحت حجة الاستسلام للنصيب ثم تثور في نهاية حياتك على هذا الواقع بزيجات عابرة متعددة توقعك في المشاكل وتزيدك تعاسة بل وتزيدك عجزا عن السعادة فوق عجزك.