محمد السماعيل

حوار آخر حول التنمية البشرية

في الاربعاء الماضي كان لي حوار ممتع مع صاحبي حول الموارد البشرية، تطرقنا فيه الى أهمية الاستثمار في الموارد البشرية لكونه مطلباً أساسياً ومهماً، وأن الانسان "الموارد البشرية" هو حجر الزاوية الأساس في انطلاق التنمية الشاملة، واليوم نكمل حوارنا الذي بدأه صاحبي بالقول: إن الاعداد الهائلة من طلبة المدارس والجامعات والمبتعثين الذين سيتخرجون قريباً سيطلبون منا وظائف جديدة، بينما جلهم لا يرغب في العمل بدلاً عن "غير السعوديين" في الاعمال الهامة والشاقة التي يشغلها هؤلاء الذي يقدر عددهم بعشرة ملايين نسمة، ولا يفكر السعوديون في شغل اعمال هؤلاء حتى لو زادت أجورهم اضعافاً مضاعفة، وهنا قاطعته قائلاً: ولكن وزارة الخدمة المدنية ووزارة العمل تقومان بحهود جبارة في تعيين هؤلاء الخريجين و"سعودة" الوظائف!.قال: هون عليك ولا تقاطعني، ولتعلم أنه ما تكاد هاتان الوزارتان تنجحان في تعيين عشرات الألوف من هؤلاء حتى تدفع الجامعات والمعاهد والمدارس بعشرات الألوف من الخريجين، ما جعل هاتين الوزارتين غير قادرتين على السيطرة على تعيين هؤلاء الخريجين، خاصة وأن الوعاء الوظيفي للأعمال الكتابية في الدوائر الحكومية وفي القطاع الخاص لا يستوعب هذه الأعداد المتزايدة من الخريجين سنة بعد أخرى، وبما أنك تطرقت لوزارة الخدمة المدنية- فدعني أهمس في أذنك- بأن الوزارة تقوم بتعيين موظفي الدولة طبقاً للأسلوب الإداري "المركزي"، ولم يكن هذا حال الوزارات منذ حوالي أربعين عاماً، حيث كانت الوزارات والمصالح الحكومية المستقلة تقوم بتعيين موظفيها طبقاً لنظام الموظفين العام بالاسلوب الادراي"اللامركزي"، وتزود ديوان الموظفين العام آنذاك– الذي تحول فيما بعد الى وزارة– بصورة من قرار التعيين أو الترقية وغير ذلك، فإذا ما لاحظ ديوان الموظفين أي مخالفة لنظام الموظفين العام أخطر تلك الوزارة أو المصلحة الحكومية بذلك، ولكن الواقع اليوم هو أن وزارة الخدمة المدنية تقوم بتعيين موظفي الدولة بالأسلوب الإداري "المركزي" وأنت تعلم أن الأسلوب الإداري اللامركزي هو الأجدى والأنفع؛ لأن الأسلوب الإداري المركزي فيه شيء من البيروقراطية التي تسهم في تعطيل العمل وعرقلة النمو وقتل الكفاءات وحجب بروزها، أما وزارة العمل فإنها تستعمل أسلوب فرض العامل على صاحب العمل، وهذا أمر يخالف طبيعة الأشياء، لأن العلاقة بين صاحب العمل والعامل هي عقد اتفاق بين طرفين، حتى لو كان ذلك شفهياً، فصاحب العمل يطرح شروطه، والعامل أيضا، ثم يتم التفاهم والتفاوض بينهما حتى يصلا الى مرحلة التوافق ثم الاتفاق، وإذا دخل بينهما طرف ثالث فسدت العلاقة بينهما، ذلك لأن الطرف الثالث يلغي شخصية العامل كما يلغي شخصية صاحب العمل.قلت: ولكن وزارة العمل تقوم باحتضان هؤلاء الخريجين وتؤمن لهم العمل المناسب.قال: إن كان هذا رأي الوزارة.. أعني إذا كانت الوزارة تظن أنها تحتضن هؤلاء الشباب احتضاناً شاملاً كاملاً، فإنما هي تعمل في غير صالحهم؛ لأن الاحتضان الكامل والشامل يعودهم على الاتكالية والاعتماد على الغير، وهذا يكرس في نفوسهم الخور والضعف وعدم القدرة على مواجهة الحياة بمصاعبها ومتاعبها المختلفة، وعليك أن تستشف النتائج من هذا الاحتضان، وانظر حولك وتساءل.. كم لدينا من المهنيين الذين يصنعون الرداء والغذاء ويقومون بالاعمال التي يسيطر عليها الأجانب؟! * مدير مراكز «اسكب» للاستشارات الأمنية والعلاقات العامة