عبدالله الغنام

هل أنت أكثر فشلا منه؟!

كم نسمع من أحاديث، ونقرأ من قصص، عمن حاولوا وبذلوا؛ للوصول إلى أحلامهم، وفي مقابل ذلك نسمع أيضا عن قصص فيها خيبات وفشل. وقد تجد البعض يبحث عن عذر ومخرج للفشل فيردد مقتنعا: يا أخي لقد حاولت وحاولت، فماذا تريد مني أكثر من ذلك!!. ولكن السؤال.. هل مجرد المحاولة تكفي للتوقف والجلوس ثم الانبطاح!، وللإجابة على هذا السؤال اسمحوا لي أن أخبركم بقصة هذا الرجل ثم أدع الحكم لكم!.نشأ في أسرة فقيرة، ولكنه كان شغوفا بالقراءة منذ صغره، ولذلك كانت ثقافته العالية ساعده الأيمن في جميع مراحل دراسته، ولكن طموحه كان أكبر من شهادة يعلقها ويفتخر بها في المجالس!. وبدأ محاولاته في الحياة شابا يافعا بأن افتتح محلا لبيع الملابس، ولكنه فشل بسرعة البرق!. وبعد ذلك اتجه إلى السلك العسكري وأصبح ضابطا في الجيش، ولكن بعد ثلاثة أشهر فقط خفضت رتبته إلى عريف، وتم إنهاء خدمته!.توجه نحو الحياة السياسية، وذلك بترشيح نفسه للانتخابات لكنه خسر، وقالت عنه إحدى الصحف: لقد فشل، ولا يمكن إعادة انتخابه مرة أخرى!. غير اتجاه حياته مرة أخرى، ورجع إلى عالم التجارة، ورغم أن الظروف الاقتصادية كانت منتعشة في المنطقة، ولكنه خسر بعد فترة وجيزة؛ بسبب تراكم الديون. اتجه بعد ذلك إلى العمل في القطاع العام، وعمل مديرا لمكتب البريد، وكما جرت العادة! كانت فترته أسوأ فترة مر بها مركز البريد على الإطلاق.وأما على المستوى الاجتماعي، فقد خطب فتاة ولكنها توفيت بعد فترة قليلة (سيقول البعض عنه: إنه منحوس)، وأصيب بعد ذلك بانهيار عصبي شديد. ولكنه تجاوز هذه المحنة بعد سنتين، وأحب امرأة أخرى ولكنها رفضته!!.ومع كل ذلك، ما زال ذلك الرجل عنده طموح، ولم تنكسر أجنحته بعد، بل حاول الطيران إلى القمة، فرشح نفسه للكونجرس ولكنه فشل. وبعد كل هذه المخيبات والرحلات الفاشلة كان من المفترض أن يجلس في بيته، ويندب حظه ولسان حاله يقول: لقد جربنا كل شيء في الحياة العسكرية والسياسية والاقتصادية والأسرية، ولكنها لم تنجح وفشلنا (ولهذا السبب اخترت هذه الشخصية بالذات!). وقد كتب يوما في مذكراته مواسيا لنفسه حين شعر أنه في القاع: سأدرس وأعد نفسي، وذات يوم ستأتي فرصتي.عاد مرة أخرى إلى مضمار السياسة، وقد ظهر له بصيص من الأمل حيث أصبح عضوا في المجلس التشريعي، ولكنه تنازل عنه لأنه كان ينظر إلى أعلى من ذلك، فخاض انتخابات مجلس الشيوخ ولكنه خسر!. فهل تتوقعون رجلا مثل هذا يتوقف؟ كلا، لقد رشح نفسه مرة أخرى بعد عامين وفشل!.وأخيرا وبعد كل هذه البدايات المحرقة الفاشلة، جاءت النهايات المشرقة، وابتسمت الدنيا له وشرعت أبوابها على غير عادتها معه!، ففي عام 1861 وهو في العام الثاني والخمسين من عمره، أصبح الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية. هذا الرجل العصامي اسمه أبراهام لينكون. وقد تعلم من دروس فشله كثيرا؛ لأنه هو الذي انتصر في الحرب الأهلية الأمريكية الدموية، وأجبر الولايات التي انفصلت أن تعود للاتحاد الأمريكي بالقوة. وهو الذي أبطل العبودية وجرمها، وقد دفع حياته ثمنا لذلك، حيث تم اغتياله في بداية فترته الرئاسية الثانية، ولكنه إلى اليوم يعتبر من أفضل وأقوى ثلاثة رؤساء في التاريخ الأمريكي.وقد قال يوما بعد كل هذه المحاولات والتجارب المريرة في الحياة: إن أكبر المخاوف ليست فشلك من عدمه، وإنما رضاك عن هذا الفشل.* م. الهندسة الميكانيكية