طرفة عبدالرحمن

جماهيرنا تصفق لمن يضللها

هناك فئة من النخبة الثقافية والاجتماعية، والتي تضم كتابا صحفيين، ومتقاعدين سابقين من وظائف عليا في الدولة، وأساتذة جامعيين ممن حققوا جمهورا في مواقع التواصل الاجتماعي، هذه النخبة يجوز لنا تسميتها "بالنخبة السوداوية" فهي نخبة لا تجيد في طرحها لأي قضية تتناولها إلا سياسة النقد السلبي المليء بالسوداوية، وليس العيب كامنا في قضية النقد أو الشعور السلبي التي تقذف به في مشاعرنا تجاه ذلك الموضوع الذي تتحدث عنه، إنما في أن هذا الطرح غير الموضوعي ليس إلا ممارسة للتضليل الفكري والمجتمعي للعامة، تجاه قضاياهم ومؤسساتهم وهمومهم الاجتماعية، وهو لا يقل في سخافته وتضليله عن الطرح الايجابي المبالغ فيه، والذي يخرج دائما من ديباجة بعض المسؤولين عند سؤالهم عن أحوال وزاراتهم أو مؤسساتهم المنتمين لها، فهم يقولون دائما في تصريحاتهم الصحفية، إن الأمور بخير، وفي تقدم مستمر، في حين أن الأمور ليست بخير وليست في تقدم، وعكس ذلك يفعل السوداويون من الفئة الأخرى، فمضامين مواضيعهم وتحليلاتهم تخبرك دائما أن الأمور ليست بخير وفي حالة تدهور، والحقيقة أن الأمور بخير أحيانا، وينتابها الخلل أحيانا أخرى، ولكن ليس بالصورة التي تعكسها لنا أطروحاتهم. أنا لا أتعجب كثيرا من طريقة دندنتهم بهذه السلبية لكل ما يتحدثون به، فهناك نوع من المبالغة والتضخيم والتخوين تخرج منهم، تستنتج منها -بطريقة واضحة- حنقهم وحقدهم على مؤسسات معينة، ربما لم تتيح لهم تحقيق مآربهم فيها أو أنهم يعانون اكتئابا حادا جعلوا منابرهم التي يتحدثون منها مجالا لتفريغه. والمشكلة أيضا أنهم يتغنون دائما بالوطن وحب الوطن والتضحية لأجل الوطن.. يتحدثون عنه دائما كعشيق وأحيانا أخرى كوكلاء عنه، فوضهم للحديث عنه في كل مناسبة وحدث، أريد أن أفهم ما هو الوطن في نظرهم ومقصدهم، هل هو البقعة التي يعيشون عليها أم هو حياتهم في داخل كينونة تقع على أرضه؟ ما هو هذا الحب، ونوعه، الذي يشعرون به تجاه الوطن؟ كيف يحبونه ويشعرون به وقد جلبوا الشقاء والنكد لأبنائه بطريقة أنانية مضللة. لقد صادفت كثيرا من أولئك النخبة والأساتذة، وجمعتني بهم ظروف دراسة وعمل، إنهم عن قرب مختلفون كثيرا عما يبدون خلف منابرهم. إن أكثر شخص فيهم يتحدث عن العدالة الاجتماعية والحقوق والحريات لا يستطيع تطبيقها في أبسط يومياته وتعاملاته مع الآخرين، يتحدث في كتاباته عن كرامة الفرد واحترام انسانيته وحقوقه، وهو لا يستطيع التحدث باحترام ولباقة مع أحد طلابه في قاعة محاضرته.. يكتب لنا في قضية معينة وينتزع السلبية من كل جوانبها، بل ويحفها بمؤامرة معينة في تحليله، وفي النهاية لا يخرج لنا برؤية جيدة لحلها، وإن فعل ذلك خرج لنا بحل خرافي غير قابل للتطبيق. لا نريد أن نعامل بسذاجة من قبل أولئك الذين يبعثون فينا الكراهية تجاه الأحداث والمستجدات المحاطة بنا، يجب ألا نصفق حفاوة وتبجيلا لكل من يبعث فينا السوداوية، ويضللنا بالحديث عن الخلل والمؤامرة والفساد في كل مناسبة ومقام. إن من ينصبون أنفسهم وكلاء الوطن للحديث عن همومه وقضاياه، بهذه الطريقة، لا يقلون خطرا وتضليلا عمن ينصبون أنفسهم وكلاء للدين، يفرضون أيديولوجيتهم على الناس ويخونون كل من خالفهم.* إعلامية وباحثة اجتماعية