د. محمد حامد الغامدي

الموت من أشد الهزائم

 السطوح كيان للذاكرة الشعبية وثقافتها، كيان بساحات وأبواب مشرّعة للجميع، السطوح كتاب واسع، ساهم الجميع في تأليفه، وهذا المقال الخامس عن السطوح، تعليقات كثيرة وردت، جعلت للمقالات السابقة زوايا عديدة، سأفرد للتفاعلات نافذة اطلاع، القارئ يرى، يرقب، يرصد، ويسجل الاعجاب والرأي الآخر، هذا ما جعل السطوح قيمة وشأنا، فهما وإدراكا، رمزا ومدلولا، في المقال السابق: ألو بيروت، من فضلك يا عينيّة، كان الحديث عن سطوح (صباح)، الحديث اليوم يحمل جوانب أخرى لها تفسيرات. ذهبت (صباح) كجسد، بقيت صورها، قديمها والحديث، سيظل صوتها يتردد، الصوت مدرسة ترميم نافعة، لا مقارنة بين الماضي والحاضر، هناك أفراح وأتراح، ماتت (صباح) في زمن الحروب والفتن العربية، زمن القتل والتدمير، زمن نحر الرقاب علانية، هل حرر موتها بعض القيود؟! هل كسر بعض الصخور؟! هل انتزع بعض الأوتاد المؤلمة؟! هل أعطى الأمل وزرع البلسم؟! موتها نهاية لقصة. كانت (صباح) تعرف أن موتها راحة، كما كان صوتها راحة، سطوح لبنان رمز لا يتوقف مداده، لبنان ليس مثله كيان، هناك من ضيع بوصلة القلب، ضاعت وتاهت في المدن الخرسانية الجافة، تنبهت (صباح) للضياع، نادت، انفروا إلى الضيعة، عودوا إليها، عادت بعد موتها، اثبتت بموتها أن الرجوع إلى سطوح الضيعة نعمة أبدية، ماتت وهي تردد: (تعلى وتتعمّر يا دار)، العجيب أن (صباح) اسم للذكر والأنثى في لغتنا العربية، تكريم إضافي لهذا الاسم، جعلت منه شهرة ومجدا وتاريخا.  النيران لا تستمر إذا غمرها الماء، أيضا تُخمد بالرغوة الاصطناعية، وبودرة تعطيل الانتشار، (صباح) كانت موقدا هادئا ينجذب إليه الجميع، الموت غيب الجسد، هناك من سيغيب صوتها عنوة، تنكيلا بالسطوح العربي. الضيعة في لبنان سطوح ليس له شبيه، هذا (وديع الصافي) يغني أغنية عجيبة عن السطوح اللبناني، لم أفهم المعنى، لم أفهم المغزى، لن أفهم تراتيل عاطفة الأشياء. لم استوعب محتوى الماضي، سمعت عنه، لم أعشه، عشت سطوح قريتي طفلا، كنتيجة شدني مطلع أغنية (وديع): [فوق سطوح ضيعتنا]، عليكم نسج خيوط بواقيها، أبحرت بشخصي الكلمات إلى أعماق طفولتي، كنتيجة عشت حالة حزن، أسى على ما فات، حياة قرية جميلة انتهت إلى شيء عشوائي، دخيل وغريب، كنتيجة البيئة تموت ببطء، كأنها (صباح). ماذا يقصد وديع الصافي؟! غنّى للمسافر اللبناني أغنية جميلة، غنى للضائع اللبناني في بلاد الله، لم أعرف بضياع لبناني واحد، أعرف أن الشخصية اللبنانية تبحث عن الحرية، فكان أمامها السطوح وبلاد العالم أجمع، جميلة رؤيا [فوق سطوح ضيعتنا]، خرجت (صباح) من ضيعتها، كانت رسالة تعبير عن حرية يبحث عنها العرب، كان يجدها (وديع الصافي) في لبنان، وجدها قبل اندثار سطوح الضيعة، هل بقي هناك ضيعة يتغنى العرب بسطوحها؟! أفهم أن يكون للبيت سطوح، لكن كيف يكون للضيعة سطوح، كيف يمكن أن يكون للضيعة (القرية) سطوح واحد؟! مازلت أحلل المعادلات، لأصل بكم إلى نتائج، لا تختلف عن نتائج التفسيرات العربية، خاصة تفسيرات انخفاض وارتفاع أسعار البترول، ارتفاع أسعاره بطولة عربية، أيضا انخفاض أسعاره بطولة عربية، هكذا الموال يصدح وينحت في العقل العربي، تآكل من كثرة التفسيرات. لم أجد السطوح المناسب لاستنتاج الحقائق، كنتيجة لن أتوصل إلى تفسير رخص الإنسان العربي، في زمن طائرات بدون طيار، كيف للعرب محاربة جيوش غير مرئية من سطوح الضيعة العربية؟! تفسيرات وتحليلات جعلت من كل حدث بطولة، حتى الهزائم العربية حولها أهل السياسة إلى انتصارات، بقي الفن غموضا، برموز لا تخفى على العرب، كنتيجة كثرة أغانيهم. يقول (غازي القصيبي) تعزيزا للإدعاء: (تمشي الهزائم فوق منكبه، وهو بأفراح النصر مشغول)، يعني العرب، بنى (غازي) من الكلمات سيرة لتاريخ أمّة خدعت نفسها عنوة، لم يحدد نوع الهزيمة، جعلها حزمة في سوق الضياع، الهزائم في كل مجال، حتى هزائم السطوح خلّفت جرحى قلوب وعواطف، كنتيجة تأثرت قضايا الأمة على كل مسار. لا يهم أن نعرف أكثر مما يجب، كل فرد له سطوح في هذا الزمن، سطوح مكشوف لكل من (هب ودب)، لكل أنواع التخصصات والاتجاهات، وصلت بكم إلى أسطح لم تكن معروفة، هل تعلمون أن للسطوح سطوحا؟! نعم، في زمن حشو الأسنان وزرعها، هكذا العربي الجالس كالسجين في (غمارة) السيارة، يزيد السرعة للخروج مبكرا من الحياة، يموت في حادث، تبقى جثته في الأرض، تطير نفسه إلى خالقها، إلى سدرة المنتهى، كل ذلك بسبب غياب السطوح، الموت من أشد الهزائم، نتحدث عنه دون ذكر النتائج. أعود بكم إلى مضارب سطوح (عبّاس بن فرناس)، جعله السطوح العربي مثالا للفشل، هكذا هم العرب، إن كنت فاشلا شمتوا بك، وإن كنت ناجحا قللوا من شأنك، وجود الرجل حقيقة، توفي عام (887) ميلادية، في الاندلس التي ضيعها العرب، كان صاحب أول فكرة للطائرة والطيران، اخترع أول قبة فضائية في العالم، خلد العرب فشله، تجاهلوا انجازاته، السطوح العربي قبة فضائية، بوجودها انتصر العرب، وبغيابها انهزم العرب.* أكاديمي. جامعة الملك فيصل