سالم اليامي

«غدامس» واحة الحوار

منذ شهر سبتمبر الماضي أصبحت غدامس اسماً في الأخبار خاصة لمتابعي الشأن الليبي، حيث عقد فيها اللقاء الأول بين أطراف ليبية بهدف الحوار برعاية الأمم المتحدة وبإشراف مبعوثها إلى ليبيا السيد برنادينو ليون. ذلك الحوار لم يحقق برأي المراقبين نتائج ملموسة، حيث لم ينعكس شيء من نتائجه على طبيعة الوضع المتدهور ، ولم يتحقق أي نجاح في وقف إطلاق النار، ووقف سفك الدماء.ويذهب بعض التحليلات لنتائج حوار غدامس الأول الى انه لم يكن أكثر من لقاءات متقطعة بين أعضاء من مجلس النواب المنتخب وبعض النواب الذين قاطعوا المجلس وأنشطته. بمعنى انه لم يشمل طيفا أوسع من الليبيين خاصة الأطراف التي تعلن أنها تمثل الثوار ، أو قيادة التشكيلات المسلحة، لأن هذه الأطراف لديها سلطة ونفوذ على المناطق والمدن بشكل يتجاوز نفوذ القوى المدنية والسياسية والقبلية. ومع مطلع شهر ديسمبر الحالي تقود الأمم المتحدة من جديد دعوة للحوار “غدامس الثاني” تحت تحذيرات شديدة اللهجة لكافة الأطراف الليبية مفادها أنه لا وقت للتأخير ، لان الوقت ينفد، والجميع على حافة الهاوية. ومع ذلك تنقسم آراء الناس في ليبيا حول هذا اللقاء إلى ثلاثة أقسام الأول: يرى أنه لا فائدة يمكن أن يحققها هذا الحوار طالما مواقف الأطراف المتصارعة على حالها. الرأي الثاني: يعتقد ان هذه الجولة من الحوار يصعب تنفيذها أصلا لان أدوات الصراع بين الليبيين تطورت إلى الأسوأ منذ سبتمبر الماضي، وأصبح هناك مدن تقصف بالطائرات وهناك ضحايا يحتاجون إلى مساعدات عاجلة، إضافة إلى المشاكل السابقة كالمعضلة الاقتصادية وأحاديث الفساد المالي وعقبات تصدير النفط. الرأي الثالث : يعول على دور جاد للأمم المتحدة ومساعدة نزيهة من دول الجوار ووقف تدفق السلاح من الخارج، وواحة غدامس من المواقع المشهورة في التاريخ القديم، حيث كانت تشكل مركزا مهما للقوافل التي كانت بحركة تجارية نشطة بين شمال أفريقيا ومناطق جنوب الصحراء. ويعتز أهلها - الذين ينحدرون من قبيلتين كبيرتين من الامازيغ - بتاريخ دخول الإسلام إليها على يد القائد المسلم عقبة بن نافع الفهري، وتذكر المصادر أن اسمها روماني غدا موس أي مدينة الجلد في الوقت الذي تذكر فيه مصادر أخرى أن غداميس باللغة الامازيغية يعني محطة توقف القوافل. وفي الحقيقة الواحة اشتهرت بالأمرين الجلد الغدامسي الفاخر وبكونها محطة توقف رئيسة للقوافل التي كانت تعبر المنطقة. ومن المعتقد أن الأمم المتحدة - وربما برعاية ومساندة بعض الجهات الدولية - عازمة على توسيع مجال المشاركة لأطراف أكثر تأثيرا، حيث ورد في بعض تصريحات المسئولين التابعين للأمم المتحدة عزمها على إشراك مؤسسات المجتمع المدني، ورجال الدين، وحقوقيين، إضافة إلى إجراء محادثات مع الميليشيات التي تسيطر على مناطق واسعة، بهدف إقناعها بالانسحاب من المدن الكبرى لتجنب كارثة الحرب الأهلية.الجدير بالاهتمام ردود أفعال القوى المتصارعة على دعوة الأمم المتحدة هذه، التي تمثلت في إعلان مجلس النواب تمسكه بمبادرة الأمم المتحدة لحل الأزمة بين الليبيين، على أن تضمن هذه الدعوة استمرار المسار الديمقراطي، وهذا يعني قبول الأطراف الأخرى شرعية البرلمان “نواب طبرق” والحكومة المنبثقة عنه ”حكومة عبدالله الثني” وعدم قبول مشاركة أجسام تشريعية “المؤتمر الوطني” أو تنفيذية “حكومة الإنقاذ”، والاستبعاد الكامل للميليشيات المؤدلجة ويقصد بها غالبا ”قوات فجر ليبيا” والكتائب المتحالفة معها التي تدار من قبل قيادات من منطقة مصراتة محسوبة على أو قريبة من تيار الإخوان المسلمين.شروط الأطراف قريبة من التعجيزية، لذا ركن أكثر من مراقب إلى تسريبات “مسودة” اتفاق دولية قيل: إن المنظمة الدولية تتبناها في الوقت الذي ترعاها وتدعمها دول أوروبية. وتقوم تلك المسودة على فكرة مفادها تسمية عدد من الشخصيات تمثل الطرفين الرئيسين في الصراع يُختارون كوزراء في حكومة مقترحة وفي نفس الوقت يخفف دور مجلس النواب الذي يحظى بالاعتراف الدولي ليشرف على عمل لجنة إعداد الدستور فقط، وتوقف جميع العمليات العسكرية، ويكون عرضة للعقاب الطرف الذي لا يلتزم بمضمون المسودة. ما يسمى بغدامس الثاني تأجل أكثر من مرة، ما يشير إلى أن الشقة مازالت واسعة بين الليبيين، وهو ما يزيد الشكوك حول عقد جولة ثانية من الحوار في هذه الواحة النائية.* مستشار وباحث في الشأن الدولي