د.محمد حامد الغامدي

مؤلم هذا التهور ونتائجه على القطاع الزراعي

 من عام (1970) إلى عام (1985)، قدمت الدولة، حفظها الله، حوالي (125) مليار ريال. كدعم لتطوير القطاع الزراعي. إمدادات (سخيّة) لبرامج (الإعانات)، وبرامج (القروض) بدون فوائد. كان المفترض أن تكون للمزارعين الذين يمارسون الزراعة كمهنة، وليس لغيرهم. فقد حظي كل قطاع بالدعم السخي الوفير. قد لا يعلم البعض، خاصة المزارعين، أنه كان متاحا لكل مزارع الحصول على قرض يصل لـ(20) مليون ريال، عن طريق البنك الزراعي الذي تأسس عام 1963 لخدمة المزارع السعودي. فهل استفاد (صغار المزارعين) من هذا الدعم؟! الإعانات شملت جميع المواد واللوازم الزراعية. على سبيل المثال: (50) بالمائة من سعر تكلفة المخصبات، والعلائق الحيوانية، والمضخات، والمكائن. (30) بالمائة من سعر تكلفة معدات الدواجن، وأجهزة الحليب ومعداتها. أيضا ضمان شراء القمح بسعر (3.5) ريال للكيلو. منح الأراضي الزراعية مجانا. تحمّلت الدولة كامل تكلفة نقل (الأبقار) المستوردة من الخارج بواسطة الطائرات، وتوصيلها إلى مكان استثمارها في المملكة. فهل كان هذا موجّها للمزارعين؟! لم يتحقق الكثير من التوجّهات والأهداف، التي كانت خلف إصدار التسهيلات المادية للقطاع الزراعي. لقد تم توظيفها بشكل لم يراع الأهداف والسياسات على المدى البعيد. أصبحت الأهداف رغم سموّها تشكل أحد مسارب (ضياع) الأموال. استفادت منها الشركات الأجنبية العملاقة ووكلاؤها. أصبحت المملكة معرضا للمعدات الزراعية الثقيلة، ولمضخات المياه ومكائنها العملاقة، ولأجهزة الري المحوري الجبارة. كنتيجة، أصبح قطاع الزراعة أحد القطاعات التجارية التي شكّلت ربحا سريعا، وغير عادي، تم (اقتناصه) وبمهارة من قبل البعض. كان صغار المزارعين (ضحيّة) ضعف الأجهزة الإرشادية بوزارة الزراعة. لم ترشدهم إلى كيفية الاستفادة من هذه الإعانات والقروض وأسعار الضمان بشكل كفء وفاعل. كنتيجة، تسبب هذا القصور في (هجر) الزراعة كمهنة لمعظم مزارعي المملكة.  استعرض بعض النتائج السلبية التي شكّلتها أسعار الضمان. أي ضمان الدولة لشراء المنتج الزراعي. حيث كانت سلاحا ذا حدين. فهي من جانب حفّزت (المستثمرين) على الدخول في القطاع الزراعي. في وضعنا كانت أسعار الضمان توفر القاعدة الربحية. وليست قاعدة العرض والطلب، التي تشكّل هياكل الإنتاج السليم الصحيح، وتكتب له مع عناصر أخرى البقاء والاستمرار والمنافسة. ساهمت أسعار الضمان في خلق جمهور من المستثمرين (السلبيين). ليس لديهم قدرة على الاستمرار بدون (حماية)، وضخ مالي يُكتب لهم الاستمرار، وليس المنافسة. لأنهم جميعا شريحة واحدة, لهم سوق واحد، هو الدولة. تشتري ما ينتجون. وتحميهم بإعانات تمكّنهم من منافسة المستورد. أسعار الضمان عجّلت بالقضاء على صغار المزارعين، وعلى مزارعهم التقليدية. تآكلت ثم انهارت أمام (منافسة) عملاقة من الشركات والمؤسسات الزراعية، ومن المستثمرين في مجال الزراعة من رجال الأعمال وكبار الموظفين والمتنفذين. أنهت مهنة عريقة للكثير من الأسر الزراعية. لم يتحقق لهم زراعة أحسن وحياة أفضل. هذا النمط الجديد من الزراعة أو (زراعة الثروة)، وفي غياب (القيود)، هي زراعة استنزاف في كل مجال. لأنها زراعة (همّها) الأوحد الربح السريع. واستغلال الموارد المتاحة. هكذا تعمل عكس الزراعة المستدامة. في وضع المملكة: هي زراعة لا تملك القدرة على الاستمرار بدون حماية. (تحدّت) الظروف البيئية الصحراوية حيث يزيد البخر عن (6000) ملم سنويا. كنتيجة ساهمت في اندثار الزراعة كمهنة، واستنزفت المياه الجوفية المحدودة الثمينة بشكل حاد وسريع.  ساهمت أسعار الضمان في استهلاك موارد، كان يجب أن توظّف في قطاعات أكثر فائدة للمستقبل. من المعروف اقتصاديا، أنه لا يُفضّل دعم السلع المحلية التي تُصدّر للخارج، إلا إذا كان يُتوقّع أن تكون لها ميزة تنافسية. أي تُنتج بتكاليف نسبية أقل من تكاليف إنتاجها في مكان آخر. وإلا كان معنى ذلك أنك (تدعم) الدول التي تصدّر إليها. ساهمت أسعار الضمان في التوسع الزراعي الأفقي دون مبرر حقيقي. كان لتحقيق الربح السريع، الذي (عمّق) المشاكل وبدّد التطلعات. أكثر من (70) مليار ريال حتى عام (1995) كان ثمن حبوب القمح والشعير. استنزفت حوالي (60) مليار متر مكعب. يعادل ثمنها (900) مليار ريال، بسعر تكلفة المتر المكعب من التحلية. هذا يؤكد (استغلال) الأنظمة والقوانين (للتربّح) من خلال أسعار الضمان. الاختلاف الواضح بين (أهداف) خطط التنمية وتحذيراتها وتوصياتها، وبين ما كان واقعا فعلا في القطاع الزراعي، يدين بشدة وزارة الزراعة. مستقبل الوضع الزراعي والمائي مازال (غامضا) أمام الجميع.