د. إحسان بوحليقة

ليس كلُ ذكرٍ رجلاً

جميلة وسائل التواصل الاجتماعي، من حيث إنها تبث لنا مواد متنوعة، ومنها ما أرسله صديق في مجموعة "واتسأب" للوحة تحوي الحكمة أعلاه مخطوطة بشكل هندسي يستعصي على القراءة، وطلب منا أن نقرأها، وحفزنا بعرض جائزة لمن يكتب الكلمات المخطوطة أولاً، وبالفعل ما هي إلا دقائق قليلة حتى كتب أحدنا العبارة "ليس كل ذكرٍ رجلاً". كان تمريناً ممتعاً في فَكّ طلاسم الخط العربي، لكن ما أن انتقلتُ لمتابعة الرسائل المستجدة في مجموعة أخرى، حتى أتت إحدى الرسائل وكأنها مصداق لما تقوله الحكمة؛ تقول الرسالة: "أنا مشرف مجموعة عائلية، وحصلت لنا مشكلة كبيرة عندما كان أحد الاخوان المضافين معنا في القروب قد تم إلغاء جواله من قبل شركة الاتصالات لعدم شحنه لفترة طويلة، ولم يخبرنا بذلك، وأعطت الشركة الرقم لشخص آخر، وعندما حَمّل ذلك الشخص برنامج "واتسأب" صارت تصله كل الرسائل والصور الخاصة بنا، وهي عائلية من الدرجة الأولى، وبالصدفة اكتشفنا هذه المصيبة، وقمنا بحذفه من المجموعة وبالاتصال به طالبين منه أن يمسح كل الصور حيث إنها خاصة فبدأ بالمساومة والتهديد بنشر كل ما وصله! فتمت الاستعانة بشرطة منطقة مكة المكرمة لإنقاذنا من هذه الكارثة، وبفضل من الله تم القبض عليه وبحوزته الجوال وبه كل ما يخص عائلتنا، وتم التعامل معه بالطريقة القانونية. ولذلك على من يقوم بإلغاء جواله أن يخبر مدير القروب ليقوم بحذف الرقم حتى لا يحصل معهم مثل ما حصل معنا." انتهت الرسالة، لكن خيبة الأمل من هذا النوع من الأشخاص لا تنتهي، فما أن فرغت من قراءة الرسالة حتى وجدتني أرتجز ما قاله عنترة:وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يُواري جارتي مأواهاوكان هذا بيتٌ ضمن مقرر النصوص في المتوسطة، ولا أنسى كيف أن مُدرس اللغة العربية - وكان مواطناً - توسع في شرح البيت والتعليق عليه حتى أخذ وقت الحصة بالكامل. ضارباً لنا الأمثلة عن عادات الحضر والبادية ومستحضراً قصصاً من التاريخ، وأدرك أننا لسنا في زمن عنترة العبسي، كما أننا لسنا في السبعينيات عندما كنتُ في المتوسطة، لكن تبقى الشمائل الأخلاقية الوسيلة المقبولة للتعامل بين البشر، وهي شمائل ليست مثالية، كما قد يعتقد البعض، بل هي حقوق متبادلة بين البشر يجب الحرص على عدم تجاوزها، وإلا انقلب المجتمع إلى غابة. وما قصته علينا الرسالة أعلاه ليست حالة يتيمة، فقبل أيام تابعنا جميعاً - عبر الصحافة المحلية - كيف تم الإيقاع في أحد المجمعات التجارية الكبرى بــ "ذكرٍ " درج على ابتزاز فتاة.والأمر اللافت هنا، ليس فقط عدم غض البصر عن محارم الآخرين، بل السعي للتكسب من التلصص على خصوصيات البشر، والمتاجرة بواقع أن مجتمعنا محافظ، فما يمثل صورة عادية جداً في أماكن أخرى قد يعتبر في مجتمعنا إحراجاً للفتاة وذويها. ولا بد هنا من بيان أن السلطات من شُرَط وهيئات قد أوقعت عددا من مدبري حالات الابتزاز لفتياتٍ، ولكن يبقى ضروريا وضع رقم وطني للمكافحة والتعامل الناجز مع حالات الابتزاز أو الاشتباه فيها، مثل 9999، ولا بأس من تطوير تطبيق على الجوال لقيد شكاوى الابتزاز لكي تتبعها السلطات المختصة مباشرة عبر توظيف تقنيات المعلوماتية والاتصالات. ومع كل ذلك فلا شيء يغني عن غرس الأخلاق الرفيعة قبل إطلاق أبنائنا للمجتمع، وتطبيق القانون بحق من يترصد ويتكسب من الخوض في أعراض الناس وشرفهم.