حسن السبع

قيَمٌ ليست للتَّصدير

لا يعني الحديث عن المنجز الثقافي والعلمي الذي حققته مجتمعات العالم الأول، ولا المقدمات التي أدت إليه أن الصورة وردية من كافة زواياها. كما لا تعني الإشارة إلى ما هو إيجابي في تلك المجتمعات إغفال الوجه الآخر للعملة. ففي مقابل العلماء والفلاسفة والمفكرين الذين ساهموا، ومازالوا، في ذلك التقدم الحضاري، يوجد الساسة والسماسرة وتجار الحروب. وفي مقابل القيم الإنسانية العليا التي بشَّروا بها، حفل تاريخ أوربا بالمطامع التوسعية، واستنزاف ثروات البلدان المستَعمَرة. ناهيك عن انحرافات السياسة المجردة من الأخلاق، حيث يسع السياسي أن يؤكد، دون أن يرفَّ له جفن، أن تفاحة نيوتن قد سقطت من الأسفل إلى الأعلى وليس العكس، ويسعه كذلك أن يكيل بعشرة مكاييل، وأن يرى، مع جيمس وليم، "أن نسبة صواب قضية ما لا يكمن في نسبة أمانة تصويرها لحقيقة مطلقة ثابتة، وإنما في نسبة نجاحها العملي". ومع أن المبادئَ والقيمَ الإنسانية التي أرساها مفكرو الغرب قِيمٌ كونية يستحقها الإنسان في كل بقاع الأرض، إلا أن بعض الساسة اعتبرها قِيَماً غير قابلة للتصدير خارج تخوم الثقافة الغربية، وإن تظاهروا بغير ذلك لاستثمارها سياسيا ضد ما يسمى الأنظمة "المارقة".يقتبس الكاتب الهندي بانكاج ميشرا في مقال له في الجارديان عبارة من كتاب (الثورة الرابعة) لمؤلِفَيه جون ميكلتويت وأدريان وولدريج تقول: "إن القرنَ الواحدَ والعشرين هو الأسوأ بالنسبة للنموذج الغربي". أي أنه القرن الذي اهتزت فيه الثقة بذلك النموذج. ويتساءل السيد ميشرا: لماذا يصر الغرب على أن يتطور العالم وفقا لنموذجه الخاص؟ ومن المفارقات العجيبة،كما يرى الكاتب، أن العبارة المقتبسة التي تعلن اهتزاز الثقة بالنموذج الغربي هي لاثنين من حاملي لواء الليبرالية الإنجليزية كانا يصران على أن ذلك النموذج هو الأفضل، إذا ما أرادت بلدان العالم تحقيق شيء من الاستقرار والازدهار!في مقابل ذلك يعلّق بعض مثقفي العالم الثالث إخفاقات مجتمعاتهم على المشجب الغربي. ويأخذ بعضهم على ساسة الغرب طرقهم الملتوية، واستغلالهم لبلدان العالم الثالث، وتلك ملاحظات صحيحة. فالغرب ليس حَمَلا وديعا، والقاعدة البراغماتية السائدة أنه إذا دخلت المصالحُ من الباب خرجت المبادئُ من النافذة. لكن ألم تساهم بلدان العالم الثالث في تكريس تلك العلاقة الملتوية؟ ألا ينطبق عليها المثل القائل: "يداك أوكتا وفوك نفخ"؟. يقول المثل الشعبي: "المال السايب يعلّم الناس السرقة". هذا على الصعيد الاقتصادي، إلا أنه يمكن تطبيق تلك القاعدة على الأصعدة كافة. وعلى سبيل المثال، فإن الغرب لم يكن بحاجة إلى اتباع قاعدة "فرّقْ تَسُدْ" في تعامله مع بلدان العالم الثالث. الفرقة قائمة على قدم وساق، والأجواء مهيأة لمن يريد الاصطياد في الماء العكر. كانت الحضارة التي حلم بها الفلاسفة والشعراء هي تلك التي تسعى إلى تَفوّق الكمال؛ والتي تماثل وسائل تحقيقها الغايات، فالاتكاء على القوة والثروة وحدهما لا يصل بالحضارة إلى درجاتها العليا، ولعل هذا هو ما دعا مونرو، مؤلف (إغواء الغرب) إلى اعتبار المشاعر الإنسانية الخيرة رافعة تصل بالحضارة إلى أعلى مراحلها.غير أنَّ للعملةِ وجهين؛ أحدهما يمثله الفلاسفة والمفكرون والأدباء والفنانون، وآخر يمثله الساسة والسماسرة وتجار الأسلحة. كما أن استيعاب وتمثل النموذج الغربي لا يتم بالسهولة والسرعة التي يتم بها قبول سِلَعه وخدماته ومنتجاته التكنولوجية، وتذوق وجباته السريعة العابرة للقارات. * متخصص في الإدارة الدولية المقارنة