طرفة عبدالرحمن

يرفعون الأسعار ليحظوا بالثقة

ليست المجمعات التجارية ولا ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمعيشة وحدها ما يستهلك الجيوب.. أيضا لم يعد الفقير هو ذلك الشخص العاجز عن توفير أساسيات عيشه، بل دخلت الكماليات على الخط فغيرت معادلة الفقر والعوز في المجتمع الخليجي بشكل عام.. كيف ذلك؟ أعتقد أن أكثرنا يملك خبرة للإجابة عن هذا السؤال.. الآن النساء والأطفال ليسوا بحاجة للذهاب إلى الأسواق دائما والدخول في عناء البحث والانتقاء لحاجاتهم ورغباتهم المادية، العملية أصبحت أسهل وأكثر إغراء وهم يشاهدون كل ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه وهم في أماكن جلوسهم.. كل ذلك بفضل تقنيات التواصل وأشهرها برنامج (الانستغرام) الذي أصبح موقعا لممارسة أنواع مختلفة من التجارة، تستطيع من خلاله طلب ما شئت من أنواع البضائع من كل منتجات العالم، ورغم أن هناك إيجابيات لهذه الممارسة التجارية، إلا أن سلبياتها على الجيوب والصحة أكبر، فمن إيجابياتها أنها تختصر عليك في بعض الأحيان عناء التسوق وتعرض لك المتاح بأسهل الطرق وتأتي به إلى باب منزلك، كما أن هذا النوع من التجارة فتح مجالا لكثير من العاطلات لممارسة أنشطة مربحة لهن.. أما سلبياتها فهي لا تختلف كثيرا عن مساوئ الرأسمالية منذ نشأتها، والتي منها إغراق الفرد في دوامة الاستهلاك وعدم بلوغ حد الكفاية من الشراء والإرضاء، بل إن الحاصل الآن أسوأ بكثير من سنوات ماضية، فالبضائع رديئة وقيمتها باهظة، كما أن أكثرها يتم شراؤه ولا يتم الانتفاع منه إما لعدم الحاجة إليه، فاقتناؤه كان لمجرد نزوة استهلاكية عابرة، أو لسرعة تلفه.. الغريب أن هناك مبدأ اقتصاديا موجودا في كل دول العالم باستثناء دول الخليج، وهو عندما يكون السوق مغرقا بنوع معين من التجارة والبضاعة، ويكون التنافس فيها حادا، فإن الأسعار تنخفض كما أن تجويد الخدمة والسلعة يرتفع تماشيا مع حدة المنافسة، أما نحن فيحدث عندنا العكس، وأقرب مثال لذلك بيع المأكولات والحلويات عن طريق البرنامج المذكور، فالواقع أن السعر مرتفع وجودة الطعام منخفضة لكن الإقبال والشراء كبير، لن أعلق كثيرا على قضية الطعام في هذا الجانب فالكثير من الغرابة يكتنفها، فنحن لنا ثقافة مشجعة على عدم تجويد وتحسين ما يقدم لنا من طعام والتاجر ليس بحاجة لتجويد منتجه لاستقطاب زبائنه، فحتى لو حدثت حالات تسمم في مطعمه ربما يكون زبونه في المرة القادمة أحد متضرريه! أيضا هناك انتشار شائع لمطاعم تقدم لنا طعاما سيئا على مستوى المذاق والقيمة الغذائية، ومع ذلك نجد إقبالا كبيرا عليها لمجرد أن ديكورها الخارجي مهذب، كما أن المبالغة في قيمة الطعام الذي تقدمه هذه المطاعم أصبح ميزة للزبون!! فهي تعطي مجالا لمرتاديها بالتصوير فيها والاستمتاع بأسلوب التباهي في دائرة المحيط الاجتماعي.. وهذه إحدى السلبيات التي أفرزها هذا البرنامج، وبالمناسبة فإن قضية رفع أسعار أي منتج يقدم للزبون أصبحت مبدأ عند التاجر ليحظى بثقة المستهلك، فالمنتج الرخيص لا يحظى بثقة المشتري، حتى إن كثيرا من البضائع المقلدة والرديئة تم تسويقها وتداولها بين الناس نتيجة لرفع ثمنها. وعموما فإن خطر هذه البضائع والتجارة لا يمتد إلى الجيوب فقط، فاقتناء مستحضرات التجميل، وبعض العلاجات يجعله يمتد إلى الصحة، فرغم أن الناس يملكون درجة متقدمة من الوعي في هذا الجانب إلا أن صفحات البيع لهذه الأنواع تزخر بأعداد كبيرة من المتابعين والمتفاعلين معها! * إعلامية وباحثة اجتماعية..