جماعة الساعة السادسة
الفترة الصباحية هي محل احتفاء القنوات الإعلامية على تفاوت أنماطها من إذاعة وتلفزيون وسواها؛ فتعد لها العدة مستقطبة لها الطواقم الفنية والإعلامية المبدعة والمؤهلة، وإن لم تكن متابعاً فسيتأكد لكَ ذلك بأخذ جولة سريعة في الصباح الباكر على المحطات، وستجد تفاوتاً في الجودة وبما يسترعي اهتمامك. وتتفاوت الأذواق فيما تبحث عنه في البرامج الاذاعية الصباحية؛ فمنا منّ لا يستمع إليها جملة وتفصيلاً، ومنا من يتابعها بشغف، وجزء ثالث يتابعها اضطراراً وهو حبيس السيارة متجهاً للعمل أو مصطحباً الأولاد للمدارس. وأجد أن برنامج (جماعة الساعة السادسة) من أكثرها خفة، وفي المقابل هناك برامج صباحية عبارة عن فترات من التعذيب المُبرح؛ فالأمر لا يبدأ ولا ينتهي بالأصوات الأجشة بل العنصر الأكثر حضوراً هو غياب التحضير والاعداد للمادة التي ستذاع صباحاً، فتجد أن المذيع يقرأ أي شيء متاح في سبيل تمرير الوقت، وقد يُعيد أخباراً بايتة ونكاتاً قديمة و«هاشتاقات» فاطسة، كما أن بعض المذيعين قد يلجأ مُضطراً أن يعلق دون تحضير على أي خاطرة والاطالة مع أي اتصال، فأمامه وقت وليس أمامه مادة معدة! ولا يفوتني القول إن بعض البرامج الصباحية تسند لمذيعين ليس من طبعهم -فيما يبدو- النهوض مبكراً؛ فتجده في حالة بين النوم والصحو، أو تجد لغة جسده ولسانه تقول: أين القهوة وأين السيجارة، وكأنه يأتي للبرنامج متفاجئاً وعلى عجل! النقطة هنا: كيف سيخرج من هو نائم المستمعين أو المشاهدين من حالة الكسل للنشاط والتحرق للعمل؟والبرامج الصباحية هي أساس النشاط الإذاعي في وقتنا الراهن، فهي فترة ذروة يهتم بها المعلنون لكي تربطهم بشرائح عريضة من المجتمع، ومع ذلك فإن العديد من المحطات تظن بمجرد تكليفها لمذيع أو مذيعة وإتاحة الميكرفون والبث فقد أدت ما عليها. لكنها مخطئة، فبعض البرامج -ولا أبالغ- تصلح مواد للتعذيب السمعي، لدرجة أنك تشعر إن لم تُغير المحطة بسرعة البرق فستصدم السيارة التي أمامك أو تُخرج رأسك من النافذة صارخاً «النجدة». بالنسبة لي، ومع تتابع الأيام أصبح لدي قائمة سلبية للبرامج الصباحية التي لا أستمع لها، ليس بسبب افتقارها لما هو جديد أو ممتع فقط بل لضعف قدرات المذيعين لدرجة الاستفزاز، فمثلاً: أحبُ العامية الدارجة، واستمتع بالاستماع لها عبر هذه البرامج الصباحية التي يُفترض فيها خفة الوقع على النفس، غير أني أشعر بتوتر هائل عندما يقرأ أحدهم مادةً باللغة العربية الفصحى فيرتكب أخطاءً تجعلك تشك أنه أنهى الثانوية العامة.وكما بدأت، فللناس فيما يحبون مذاهب، ولذا أتابع البرنامج الصباحي لإذاعة بانوراما، لاعتبارات: فقد جندت المحطة له مذيعا ومذيعة متمكنين؛ فإن نطقا بالفصحى كانا مجيدين، وان استعملا العامية خرجت سلسة غير متكلفة، كما أنهما يملكان قدرات تواصل وتخاطب عالية كما هو متوقع من أي مذيع مهني ناجح، وفوق هذا تجد أنهما مدعومان بموادٍ معدة باهتمام. وقد لا اتفق مع بعض المقالب التي يدبرانها على الريق، لكنني أُقرّ أنها جعلتني في مرات عديدة أقهقه صباحاً، كما الكثيرين. وهكذا نجد أن هاني وسيلفا يخرجانك من جو النوم والجمود إلى حالة «الصحصحة» مصحوبة ببسمة أو بمعلومة عن أسباب الفقر الستة، أو ما معنى صباح الخير بلغات لم نسمع عنها من قبل.* متخصص في المعلوماتية والانتاج