سدود أمنية لحماية بلادنا من حرائق الجوار
من واقع ما يجري في محيطنا الإقليمي من اختراقات وانهيارات أمنية وحالة عدم استقرار في عدد من الدول، فإننا نصبح الاستثناء الذي يصحح القاعدة، لأن بلادنا ولله الحمد بعيدة تماما عن تلك السيناريوهات المريرة رغم قربها من موقع الاحداث، وهذا يجعلنا نسأل الله ألا يرينا من خلالها مكروها في إخوتنا في العروبة والدين.وفي سياق حساباتنا كبشر لا بد أن نضع أمام اعيننا الأسباب والمسببات لتلك التداعيات الخطيرة في المنطقة، والتي ربما يكون أهم أسبابها وتداعياتها تلك الأخطاء الكارثية في الحكم والسلطة والممارسة السياسية التي لا تستند الى عمق وطني أو جماهيري حقيقي، ومن خلال متابعة المشهد في المحيط المجاور يمكن الجزم بأن تجربتنا في الحكم أثبتت فعاليتها وقوتها بإحكام العلاقة المتينة بين ولاة الأمر ومواطنيهم بحيث يتم سد أي ثغرات تنفذ منها المخاطر والمهددات.خلاصة حالة الاستقرار التي تنعم بها المملكة، قيادة ودولة ووطنا ومواطنين ومجتمعا، سببها الارتباط التاريخي العميق بين القيادة والشعب، وذلك يقودني الى التنظير حول فكرة الأمن السياسي في تفسير الدلالات المستقرة لذلك الارتباط، ولنا أن نتخيل أن هذا الأمن بمثابة جدار صلب أشبه بذلك الذي يبنى عند السدود، غير قابل لتسرب المياه إلا إذا كان بناؤه ليس مطابقا للمواصفات العلمية والواقعية، وذلك الجدار هو الفكرة الأمنية بينما تعادل المياه المخاطر الأمنية، ولكي تتم الاستفادة من المياه بالصورة العلمية لتوليد الكهرباء مثلاً والحصول على المنافع فإنه لا بد وأن يكون جدار السد قويا وإلا حصلنا على النتيجة العكسية من تدمير لكل المحيط الأرضي للسد وحدوث طوفان كاسح.وعليه تصبح نظرية السد الأمني هي جوهر الأمن السياسي الذي يتعامل في الواقع بأبعاد عقلية قائمة على منظومة ثقافية للفرد تشمل الموروث والثقافة العامة ومبادئ الوطنية والقيم الاجتماعية والدينية، ويضاف اليها تطور الوعي الذاتي الذي يستوعب ويتعاطى مع المتغيرات الظرفية والآنية ويعالجها بصورة منطقية حتى يصبح الفرد نفسه وحدة أمنية تمتلك الوعي واليقظة الأمنية الكافية لإدراك ما يتلقاه العقل وتقدير اتجاهاته غير المرئية، وعليه فإن ما حدث في دول الجوار من صراعات يشكل خطرا مؤكدا على أمننا الوطني، لسبب بسيط وهو أن هناك قواسم مشتركة بيننا وبينهم، في الثقافة والدين واللغة والموروثات والقيم والأصل العرقي أي هناك تشابه جيني مؤكد إن صح التعبير، والذي حدث أنهم سمحوا باختراق منظومتهم الثقافية ومن ثم سهولة اختراق أمنهم السياسي بتفكيك علاقاتهم بقياداتهم، وتبع ذلك تخريب سلوك أولئك القيادات، فانهار الأمن الوطني وأصبح الصراع هو السائد.نحتاج لكي نحافظ على أمننا الوطني والسياسي ارتفاع وعي مواطنينا الثقافي، فالسياسة في خاتمة المطاف عملية لإدارة شؤون الدولة والحكم، وهي علاقة تعاقدية بين الحاكم والمحكوم، يبايع فيها المحكوم الحاكم على السمع والطاعة، فيما يتعهد الحاكم بتقوى الله في تكليفه بالقيادة، وينطلق الطرفان في تنفيذ واجباتهما الوطنية، ولكن غالبا ما يتضرر الأمن الوطني من مواطنين لا يملكون الوعي والإدراك الثقافي والعقلي لحركاتهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم ما يجعلهم مستهدفين من جماعات التغرير والتضليل، ويحولونهم الى قنابل موقوتة تتطلب معاملة خاصة قبل حدوث الكارثة، ولكن ما نرمي اليه هو جهد فكري في تحقيق أمن وقائي بوضع الأمور في نصابها حتى نخفف، قدر الإمكان، من الآثار السلبية للحروب والهجمات الإعلامية الموجهة التي تشتعل بالجوار، وتتطلب بروتوكولات أمنية متقدمة فكرا وأدوات منيرة ومستنيرة للتعامل معها.* مدير مراكز «اسكب» للاستشارات الأمنية والعلاقات العامة