سالم اليامي

درنة وأخواتها

هاتفت الأسبوع المنصرم أحد أصدقائي في ليبيا وجرنا الحدث حينها إلى تصريح وزير الخارجية الليبي المركز والمفزع الذي ذكر فيه أن الوضع في مدينة درنة خطير، وان تلك الخطورة لا تهدد ليبيا، بل تهدد المجتمع الدولي. في بادئ الأمر اعتقدت أن التصريح بنبرته العالية يأتي في السياقات العامة للصراع السياسي والعسكري الذي يستعر منذ أشهر بين الليبيين، وأنها ربما محاولة سياسية لجذب أنظار المجتمع الدولي إلى ما يحدث في ليبيا. ولكن صديقي اخبرني باختصار بأن الوضع خطير حقاً في المنطقة الشرقية وفي درنة بالذات، وأضاف انه لن يستطيع التحدث أكثر ووعدني بنقاش أوسع عندما تسعفه الظروف بالخروج من ليبيا إلى مصر أو تونس أو الأردن. هذا الجزء اليسير من المحادثة مع صديقي الكاتب والمؤلف والباحث التاريخي جعلني أعود بالذاكرة إلى ما سبق أن عرفته عن مدينة درنة أو عروس ليبيا كما يسميها الليبيون، وأصدق القارئ لكريم أنني كنت أستغرب بعض المعلومات التي كانت تنقل لي عن هذه المدينة لأنها ببساطة معلومات لا تنطبق على مدينة في دولة صحراوية مثل ليبيا. فهذه المدينة تقع على البحر وتتكون من مجموعة من الجبال والهضاب والأحراش ويشقها واد مشهور ولها أعين ماء عذبة تنحدر من شلالات في احد أطرافها. كما أنها على خلاف المدن الصحراوية إجمالا تتمتع ببعد ثقافي وفني حتى أن بعض المصادر تشير إلى أن اغلب الناس والعائلات فيها يعتبرون اقتناء الآلات الموسيقية والعزف عليها من مظاهر الحياة الطبيعية. علاوة على الكثير مما يذكر عن لين وسماحة أهلها وكرمهم، لكن يبدو ألا شيء يبقى على حاله في هذه الحياة، وهذا ربما يكون مقبولا إذا كان هناك تغير للأفضل، لكن عندما يكون التغيير لنقيض الأفضل فإن الوضع هنا يكون مقبولا قسراً لا أكثر. وهذا ما تؤكده مصادر موثوقة من أن المناطق والمدن الليبية خرجت أو أخرجت من تحت سلطة الدولة منذ يناير ٢٠١١م ودخلت أو أدخلت في مسار إجباري تسيره مجموعات مسلحة وفصائل تتحدث بلغة الثورة والدين. من الحقائق المتداولة عن الوضع في ليبيا أن الجماعات على اختلاف مسمياتها وتعدد تبعيتها الفكرية والتنظيمية وتباين برامجها أحيانا تتفق جميعها على مبدأ تحويل المنطقة الشرقية من ليبيا أو ما يعرف تاريخيا بإقليم "برقة" إلى إمارة إسلامية.هذه الرؤية تجسدت في مدينة درنة إثر إعلان ما يسمى "مجلس شورى شباب الإسلام" عن إقامة إدارة إسلامية خارج سلطة الدولة الليبية. المدينة الوادعة ملأتها مواكب السيارات التي تقل المسلحين الذين يرتدون الزى المميز لمقاتلي تنظيم داعش، وملأت فضاء المدينة الشعارات التي عرفت عن طريق تنظيم الدولة مثل "دولة الإسلام باقية". كل ذلك تزامن مع تقارير أمنية تفيد بانتقال عدد من قيادات تنظيم الدولة إلى ليبيا قادمين من سوريا والعراق مع بداية القصف الجوي لتحالف مكافحة الإرهاب لمقرات التنظيم في البلدين.درنة بعد مجمل هذه التطورات أصبحت محل اهتمام محلي وإقليمي و دولي، لان هناك اعتقادا يتنامى بقوة بأنها أصبحت أحد معاقل التنظيمات المتشددة في العالم، وعليه فمن المحتمل أن يكون من أفراد التنظيمات التي يستقر فيها أشخاص يتحملون المسئولية عن سلسلة الاغتيالات التي شملت العسكريين والمثقفين والناشطين والزعماء القبليين الليبيين في بنغازي. كما أن هناك أطرافا إقليمية لها حسابات خاصة مع قيادات وأفراد بعض المجموعات المتمركزة في درنة ويذكر هنا الحكومة المصرية التي استهدف عدد كبير من رعاياها المسيحيين والمسلمين وراحوا ضحايا حوادث اغتيال وقتل غير مفهومة. ويتزايد الاهتمام الدولي بهذه المدينة كلما لاحت الشبهات حول من دبروا ونفذوا حادثة الاعتداء على القنصلية الأمريكية في بنغازي وقتلوا السفير الأمريكي في ليبيا كرس ستيفنز وثلاثة من مساعديه الدبلوماسيين في سبتمبر ٢٠١٢م. المدن الليبية تشابه بعضها البعض خاصة في جزئية الخروج عن سيطرة الدولة والقانون والنظام، فطرابلس تخضع لسيطرة ما يعرف بفجر ليبيا المغذاة مصراتيا، وبنغازي تدار بمعرفة أنصار الشريعة، والجنوب الليبي يخضع لتحكم العناصر القبلية المسلحة، فهل ينجح أهل ليبيا في استعادة درنة وأخواتها، وقبل ذلك استعادة دولتهم وذواتهم.* مستشار وباحث في الشأن الدولي