الخروج من قمقم المنطق العاطفي
ما الأسباب التي أدَّت إلى أن يصبح العالمُ الأول "عالماً أول"، ويحقق تلك النقلات الحضارية المذهلة؟ هل هو الموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والطاقات البشرية، والإمكانات السياحية؟ إذا كانت تلك هي مقومات التقدم، فلدى بعض بلدان العالم الثالث مثلها وأكثر. لماذا إذن يظل حالها الثقافي والاجتماعي والمعيشي دون المستوى المطلوب؟ ولماذا تُستنزف مواردها الطبيعية وطاقاتها البشرية في الفراغ؟ هل لغياب التفكير العقلاني وسيطرة التفكير الرغبي والمنطق العاطفي دور في ذلك؟في موسوعته التاريخية (قصة الحضارة) يطرح المؤرخ ول ديورانت السؤال التالي: "هل الناس فقراء لأنهم جهلاء أم العكس"؟ وإحدى دلالات هذا السؤال أن الناس قد تهدر أموالا طائلة في أمور عديمة الجدوى. خذ على سبيل المثال ما ينفق على الخرافة وبعض العادات العقيمة والمعرفة الزائفة، أي الأموال التي تدخل في جيوب مدعي المعرفة والمشعوذين والدجالين. كان مدعو المعرفة، وعلى مرّ التاريخ، يستمدون شعبيتهم وامتيازاتهم من رمزية المظهر وتدني مستوى وعي العامة، فكانوا حريصين على أن تبقى الحال على ما هي عليه. ذلك أن أفضل البيئات لازدهار أعمالهم هي البيئات التي تسود فيها الأمية الثقافية، ومن مصلحتهم مقاومة أية أفكار أو حقائق جديدة، وإجهاض أية مبادرة للتغيير قد تسحب بساط الامتيازات المادية والمعنوية من تحت أقدامهم.في أوروبا القرن السابع عشر الميلادي، وإزاء تلك العتمة الثقافية على المستوى الفردي والجماعي، ارتفعت أصوات تنادي بتحكيم العقل. وهي المرحلة التي عنونها ديورانت في موسوعته التاريخية بـ "الدعوة إلى العقل". كان لابد من اللجوء إلى العلم، وإلى منهج عقلي واقعي يتكئ على منطق الأرقام والحقائق، لا منطق الرغبات والتهويمات والتفكير الدوغمائي، وتزمّت (البيوريتان)، وتدليس مدعي المعرفة. فامبراطورية المستقبل هي امبراطورية العقل، كما يعبر تشرشل. كانت تلك الانطلاقة بداية النهاية لمرحلة الأجوبة الجاهزة، والكمّ الهائل من الجهل المتراكم في صيغة حقائق ثابتة، وميلاد مرحلة من الأسئلة العلمية والفلسفية. وقد أتاح المناخ الفكري المنفتح مساحة واسعة للبحث والتفكير والتجريب والاكتشاف، وأعطى دفعة قوية للعلماء والفلاسفة والمفكرين ليساهموا في تقدم الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.عامل آخر من عوامل رقي المجتمعات الحديثة هو النقد الذاتي، وتسمية الأشياء بأسمائها، وتشخيص أسباب التخلف تشخيصا واضحا لا لبس فيه. وعدم التهرب من المسؤولية، ونسبة المشاكل إلى عوامل خارجية. لذلك نشط مفكروهم في نقد الذات وإطلاق صيحات تحذير لتصحيح المسار الحضاري، وقد طال النقد النظم المعرفية والتربوية وطرق التفكير السائدة. يقول فرانسيس بيكون: "ليس ثمة إلا سبيل واحد أمامنا، وهو أن نحاول الأمر كله من جديد وفق خطة أفضل". وهي شفافية مرفوضة في بعض المجتمعات التي تبحث عن مشاجب لتعلق عليها مشاكلها. في هذا المناخ الجديد عَلَت قيمة الإنسان بغض النظر عن انتماءاته. ساد المبدأ القائل: "إنما أصل الفتى ما قد حصل". فالمرء ليس سوى مشروعه الإنساني. نعم، لقد ارتكبت أوروبا حماقاتٍ وأخطاءَ فادحة، كان من أهم أسبابها النزعات القومية والشوفينية، والمطامع التوسعية، والتنازع على اقتسام الثروات، وطموحات بعض القادة المصابين بجنون العظمة. لكنها استفادت من أخطائها. وعلى النقيض منها ترتكب بعض المجتمعات الخطأ نفسه، وآثار الخطأ الذي سبقه لم تمحَ بعد. وفي الوقت الذي تجاوزت فيه المجتمعات الحديثة ضغائنَ وثارات الماضي القريب، مازال مجتمعنا العربي واقعا في أَسْرِ أحداث الماضي البعيد. وللحديث بقية.