وبينما كان يجمع الأطباق ليضعها في وعاء التطهير، لفت انتباهه طبق واحد تسللت إليه، عن غير قصد، بوغة من العفن. كان المشهد، وفق المنطق المعتاد في المختبر، يستدعي التخلص من هذا الطبق «التالف» دون تردد، باعتباره نموذجًا لفشل تجربة مختبرية، لكن فليمنغ لم يفعل.
توقف أمام الطبق وتأمل ما يحدث داخله، ولاحظ أن البكتيريا المحيطة بالعفن كانت تموت وتتلاشى، وكأن هذا التلوث غير المرغوب فيه يحمل سرًا علميًا يستحق الاكتشاف. وكان ذلك العفن من جنس البنسيليوم، الذي قاد فليمنغ إلى اكتشاف البنسلين، أحد أهم المضادات الحيوية، والذي أصبح لاحقًا سببًا في إنقاذ ملايين الأرواح، وغيّر مسار الطب الحديث إلى الأبد. لكن الدرس الأكبر في قصة فليمنغ لا يكمن في الاكتشاف العلمي وحده، بل في الزاوية التي ننظر من خلالها إلى الأشياء.
كم مرة في حياتنا نسارع إلى رفض أحداث تبدو لنا «ملوثة» بالإحباط؟ وكم من خطة اعتبرناها فاشلة لمجرد أنها تأخرت، أو لم تسر بالطريقة التي رسمناها في أذهاننا؟
ربما يكون جزء كبير من شقائنا نابعًا من استعجالنا في الحكم على الأشياء، ومن عدم قدرتنا على منح التجارب الصعبة وقتها الكافي؛ فنحن نريد أن نفهم الحكمة فورًا، وأن نرى النتيجة قبل أن تكتمل الحكاية.
لقد بدا العفن في نظر المختبر آنذاك خللًا وإهمالًا، لكنه كان في الحقيقة يحمل بذرة اكتشاف غيّر حياة البشرية.
وهكذا هي بعض تجاربنا في الحياة؛ قد نراها في لحظتها خسارة، أو تأخيرًا، أو خيبة، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت تقودنا، بطريقة لم نفهمها وقتها، إلى مكان أفضل.
إن العقل الذي يتعجل إلقاء التجارب المريرة في سلة الندم قد يحرم نفسه من نضج ثمين، ومن معنى عميق ربما كان مختبئًا خلف ما كرهه في البداية.
أحيانًا، لا تأتي التحولات الكبرى في حياتنا مكسوة بالذهب والأنوار، ولا تصل إلينا في هيئة فرص مثالية وواضحة، بل قد تأتي في صورة خطأ صغير، أو تأخير غير مرغوب فيه، أو صدمة أربكت حساباتنا، أو باب أُغلق في وجوهنا.
ثم نكتشف، بعد أن تهدأ مشاعرنا، أن ما حسبناه نهاية كان بداية، وأن ما ظنناه خسارة كان يحمل في داخله درسًا، وأن بعض الأخطاء التي أوجعتنا كانت هي نفسها الطريق إلى نجاح لم نكن نراه.
لذلك، لا تتعجل الحكم على ما يحدث لك. فربما يكون خطؤك هو نجاحك القادم، وربما تكون الخيبة التي تبكيك اليوم هي نفسها التي ستقودك غدًا إلى المكان الذي لم تكن تعرف أنك تبحث عنه.
@NabilahAlsahli


