إعراب الإرهاب
الذي يحاول اعراب الإرهاب بسلاح القلم، قد يفقد موقعه من الاعراب بسبب «المعمعة» السياسية التي تطرأ على الساحة ومفاهيمها، وأعني هنا بالمعمعة السياسية أي التردد وعدم الثبات على رأي، والمعمعة كما جاء في المعاجم «تردَّد» الشخص، لم يثبت على رأي، وهذا هو الشأن السياسي، فما هو «إرهابي» اليوم قد يصبح في الغد عملاً تحررياً من المنظور السياسي، ومن كان مناضلاً في الامس قد تحوله السياسة الى إرهابي اليوم، وهذا يحدث عندما تقوم الدول الكبرى بنقل فرد أو جماعة أو دولة من قائمة الإرهاب الى قائمة التحرر، وهنا يصبح الكاتب كالذي يسير حافي القدمين وسط إحدى ساحات المعارك المزروعة بالألغام، فقد تطأ قدمه «حرفاً» ملغماً فينفجر ثم تبتر ساقه، أو قد تصيبه «كلمة» طائشة فتقضي على حياته، أو قد تستهدفه نيران «جملة» صديقة وتكسر قلمه!.وموضوع «اعراب الإرهاب» واضح لدى اللغوي الضليع، والمتابع الحذق للعمليات الإرهابية، فهما يلحظان أن هناك تشابها كبيرا بين كلمتي «اعراب وإرهاب»، فكلمة «اعراب» مشتقة من الفعل «اعرب»، بينما كلمة «إرهاب» مشتقة من الفعل «أرهب»، وليس هذا فحسب.. بل إن التشابه بينهما موجود حتى في تعريفهما اللغوي، حيث إن تعريف الاعراب هو «توضيح وبيان»، بينما الإرهاب في أحد تعريفاته «ترهيب إنسان»، وكلاهما يحمل «علامات أصلية»، فعلامات الأول الأصلية هي الضمة رفعاً، والفتحة نصباً، والكسرة جراً، والسكون جزماً، بينما علامات الثاني الأصلية هي القتل عمداً، والاعتداء رعباً، والتفجير ترويعاً، والتخريب منهجاً، فيا له من تشابه عجيب!.وفي اللغة العربية هناك ما يسمى «الإعراب اللفظي» وهو ما لا يمنع من النطق به مانع، كما في الإرهاب ما يسمى «الإرهاب اللفظي» كالتهديد والتكفير و نحوهما!.وايضاً هناك في اللغة العربية «الإعراب التقديري»، وهو ما يمنع من النطق به مانع للتعذر، أو الاستثقال، أو المناسبة، مثل جملة «جاء الإرهابي»، وفيها يكون «الإرهابي» فاعلا مرفوعا بالضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، وفي الإرهاب هناك «الإرهاب التقديري» ايضاً، وهو ما تقدره الدول الكبرى، وما تضعه على قائمة الإرهاب متى ما شاءت وترفعه من القائمة متى ما شاءت، وذلك حسب مصالحها!. وهناك أنواع للإعراب، وكذلك هناك أنواع للإرهاب، فالإعراب أربعة أنواع: الرفع، والنصب، والجر، والجزم، بينما الإرهاب ثلاثة أنواع كما ورد في كتاب «الإرهاب مظاهرة وأشكاله» للدكتور محمد مصيلحي، وتلخيص الأستاذ جاسم العيسى، وهي على النحو الآتي: «النوع الأول: الأفعال الإرهابية التي ترتكب ضمن وسائل النقل المختلفة، كاختطاف الطائرات، والسفن، وتغيير مسارها بالقوة، واحتجاز ركابها، والاعتداء عليهم، أو قتل بعضهم لتكون وسيلة ضغط؛ لتحقيق أهدافهم الإرهابية، - فضلاً - عن وسائل النقل الأخرى، كالاعتداء على القطارات، ومحطات مترو الأنفاق، ووضع المتفجرات فيها، والنوع الثاني: الأفعال الإرهابية التي ترتكب ضد الأشخاص، ويشمل هذا النوع من الأفعال، الاعتداء على السلامة الجسدية للأشخاص، كحوادث الاغتيالات الموجهة ضد ملوك، ورؤساء الدول، ورؤساء الوزارات، والوزراء، ورموز السلطة العامة، ورجال السياسة، والدين، وأعضاء البعثات الدبلوماسية، والهيئات الدولية، أو ضد الأبرياء، والنوع الثالث: الأفعال الإرهابية التي ترتكب ضد الأموال، والمنشآت. ومن أبرز أمثلتها: الاستيلاء على البنوك، وما فيها من أموال، أو إشعال الحرائق، وإلقاء القنابل، والمتفجرات على الأحياء السكنية، والتجمعات، والمراكز التجارية، - كذلك - توجيه الأعمال الإرهابية؛ لتدمير المباني الحكومية، وتدمير مباني السفارات، والقنصليات، أو مكاتب شركات الطيران» .وهناك «عقد» كثيرة وكبيرة تقف حائلا دون تحديد الفصل بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال، وبين الإرهاب والحرب من أجل التحرر والاستقلال، وهذا الإشكال يضع الكاتب في حيرة من أمره، فحين تقول السياسة: هذا الفرد أو هذه الجماعة أو هذه الدولة في «قائمة الإرهاب» ثم تتلون السياسة كالحرباء بحسب موقع «الإرهاب» من الإعراب، ثم تقوم بنقل «هذا الفرد أو هذه الجماعة أو هذه الدولة» من قائمة الإرهاب إلى قوائم التحرير، يقع الكاتب في «خبر كان» منصوباً هو وقلمه!. مدير مراكز «اسكب» للاستشارات الأمنية والعلاقات العامة