التخلي عن الدفاع عن المياه الجوفية خيانة وطن
▪سألت نفسي في ساعة حوار له أبعاد. ما الذي جعلني خلال هذه العقود، مستمرا في الكتابة عن الماء؟! سؤال سيراه البعض من زوايا مختلفة. كل زاوية بقراءة مختلفة. تعطي إجابة منفردة. في الحوار مع النفس يقف الفرد أمام نفسه وحيدا. يشاهد جميع الزوايا. تقوده النتائج نحو بناء الرأي. يجسد القيمة والهدف والمسؤولية. أن تكون سبّاحا ماهرا للغوص في أعماق ذاتك. هذا كل ما تحتاجه لتكتشف تراكم الحقائق. تراكم ما وضعته أنت في ذاتك عبر السنين.▪ متشبع ببعض المعاناة من آراء الآخر واتهاماته. كنتيجة اندفع السبب الأول. وجه أحد مسؤولي القطاع الأكاديمي، وأمام جمع من الأكاديميين المسؤولين، اتهاما قائلا: [بكتاباتك أنت تبحث عن شهرة]. هل كان الادعاء صائبا؟! شاهد صدمة اتهامه على ملامح وجهي. كنتيجة استدرك قائلا: هذا ما يقوله عنك زملاؤك. لم يكن يعرفني جيدا في حينه. تصلبت لديه القناعة مما سمع. قوله فضح الاعتقاد. استدرك وهو الأكاديمي بنقل الاتهام إلى الآخر بغرض التوثيق. في نفس اللحظة التي طرح فيها الاتهام، عاد ونفى مقولته. كان صراع البحث عن الحقيقة. قال: ما تكتبه خطير، وكاتب مثل ذلك المقال، لا يبحث عن شهرة. تذكر أنه طلب مني مقالا محددا سمع عنه. وقد وضعته بين يديه. ▪ مع الأيام أصبح هذا المسؤول أكثر معرفة بشخصي وتوجهاتي ونشاطي في الدفاع عن المياه الجوفية. لم يقدم لي أي مساهمة لتعزيز استمراري في الكتابة. لكن هذه الواقعة كانت سببا مهما في استمراري في الكتابة عن المياه وبقوة. اعتبرت كلامه وكلام من شحنوه بالمعلومات المغلوطة تحديا يجب مواجهته بالمزيد من المثابرة في الدفاع عن المياه الجوفية. هذا التحدي عزز كفاحي الذي أراه واجبا مقدسا. وصلت إلى قناعة مفادها أن التخلي عن الدفاع عن المياه الجوفية خيانة وطن. خيانة علم. خيانة أجيال مستقبل. وخيانة لذاتي. واصلت رفع دعائي الذي أكرره يوميا: اللهم وفقني لخدمة أجيال المستقبل.▪ بجانب التحديات المثبطة، التي أحولها إلى عوامل تحفيز، تسند الهمة وتقويها. هناك الطرف الآخر الايجابي. يشجع. يتفهم. يثق فيما أقول. هؤلاء يستحقون طيب الكلام وحق الاشادة. هؤلاء شركائي في نجاح استمراري في الكتابة عن المياه. هم كثرة ومن فئات مختلفة. الزملاء الأكاديميون في الجامعات. وأيضا النّاس البسطاء الذين يرون الواقع ويعيشونه. يعبرون عنه. ينقلون وصفه بأمانة. شريحة طويلة من النّاس حولي يشجعون على المثابرة. لهم تأثير محفز. هم قراء ومتابعون. أحمل قضية يؤمنون بأهميتها. كأني أتحدث عنهم وبهم. كأني وكيل لهم وعنهم.▪ ما جعلني استمر أيضا في الكتابة. دموع بعض المزارعين. شاهدتها. عشت أجواءها. دموع توحي وتقول. دموع عجزهم الواضح لمواجهة نضوب المياه في مزارعهم. مزارعون قابلتهم يكابدون. كانوا يحملون مجد الماضي ومسؤولياته. يعيشون الحاضر بكل تحدياته وآماله. مجبرون على توقيع وثيقة نهاية نشاطهم الزراعي التاريخي على هذه الأرض. لا يملكون إلا دموعا عزيزة. رجال بهامات شامخة تبكي المصير. يحمل أحدهم حبات تمر جافة في يده. يمررها على خده المبتل بالدموع. كأنه يسعى لإنعاشها بدموعه. ثمرات لم يكتمل نضجها. جفت الأرض من ماء كان يرويها.▪ رأيت التاريخ يستدعي ذاتي. يسلمها مسؤولية الدفاع عن المياه الجوفية. نعم. التاريخ الذي يسجل للحاضر ويرسم للمستقبل. وقفت أمامه قائلا: أنا لها. كنت عند كلمتي وما زلت وسأظل. المياه الجوفية الكنز الذي نتعامل معه بغباء فاحش. وقسوة ظالمة. وطمع وجشع أعمى. المياه الجوفية أغلى ما نملك في أرضنا الطيبة. فهل هذا التفريط خيانة؟! هل هذا الاستنزاف جريمة؟! هل هذا التخبط والعشوائية جهل وتجاهل؟! مثل هذه الأسئلة التي أطرحها أمام نفسي، تدفع بالمزيد من الحماس. إثارة القلق على المياه الجوفية أمر مشروع.▪ في أحد الأيام اتصل أحد الزملاء قائلا: هل قرأت ما كتبه عنك (فلان) من تهجم. أجبت بالنفي. ثم قرأت ما كتب عني (فلان). لم أر الجانب السلبي الذي استنتجه الزميل. تعقبت الجانب الإيجابي وعظمته. لم أرد بتعليق على المقال. كان بمقدوري. هو الرأي وعلينا تقبله. الكاتب لا يعرفني ولا أعرفه إلا من خلال ما يكتبه وأكتبه. هذا الكاتب كان من الأسباب التي جعلتني استمر في الكتابة. ▪ قبل معرفتي بشخصه. اتصل يوما مقدما نفسه. أكبرت فيه هذه المبادرة. دار الحديث. بدا كأني أعرفه منذ الطفولة. موقفه هذا جعلني اعتبره مكسبا عزز موقفي الإيجابي. في أحد الايام تلقيت منه مكالمة أخرى. كل هذا قبل أن التقي به. وجدته يقول: [أنت أول كاتب سعودي يكتب بكل هذا الزخم عن المياه والبيئة. وهذا يسجل لك في مسيرة الصحافة السعودية]. ▪ عندما تسمع مثل ذلك الرأي فكيف يمكن أن يكون حال الشعور الذي يتولد؟! مثل ذلك الرأي يرفع من شأن الكاتب أمام نفسه. هكذا كان. نحن لا نملك نجاحنا لوحدنا، هناك شركاء في النجاح، وفي أي شيء كان. بقي أن أقدم لكم صاحب هذا الرأي وبكل فخر. [نجيب الزامل]. أقدمه كما عرفته بدون ألقاب. مبادر وصاحب عطاء لا ينتظر الشكر من أحد.▪ هكذا آمنت بقضية المياه الجوفية. وآمن معي العديد من المواطنين من غير أصحاب التخصص. هذا زاد من مسؤولياتي. في كل مناسبة أحضرها أجد من يحترم دفاعي من خلال طرح موضوع المياه للنقاش. يزداد إيماني عندما يعترف البعض بأنني سببت لهم القلق مع كل فتح صنبور ماء. ومع كل شربة ماء. يا لعظمة هؤلاء الناس الذين لم يبخلوا بالكلمة الطيبة والابتسامة الهادفة. وبعد هل عرفتم لماذا واصلت الكتابة عن المياه الجوفية طول هذه العقود. هناك أسباب أخرى. بالتأكيد أنتم جزء من هذه الأسباب. أرى نفسي فيكم وبكم. التعاون يحقق المعجزات ويبني الأوطان.