أزمة المكان والواقع الليبي
كل الليبيين الذين قابلتهم أو الذين تابعت ما قالوه عن ثورة السابع عشر من فبراير ٢٠١١م الجميع تحدث بشاعرية عالية عن الثورة والآمال العريضة التي ستتحقق لهم ولبلادهم بمجرد القضاء على نظام العقيد القذافي والتخلص من متاهة الجماهيرية التي عاشوا في كنفها أربعة عقود، ثم خرجوا من تحت عباءة دولة ما كان يوصف بدولة اللجان الثورية وهم يلعنون الدولة وقائدها الذي كان يعتقد انه يقود الجماهير في العلم كله. كانت هناك فكرة يتبناها الجميع على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية مؤداها أن نظام الجماهيرية تعمد تجهيل الناس وخداعهم وغيب قراراتهم في المشاركة والحياة العامة واختزله في مجموعة من الناس التي تعيش على الهتاف للقائد وتسترزق من وراء التجسس على الآخرين. كان الغضب شديدا لدى الجميع ولم أكن أتصور حجم ذلك كله إلا بعد أن وقفت على أطلال منطقة العزيزية بوسط العاصمة طرابلس في منتصف شهر يوليو ٢٠١٢م ومن يومها أدركت أحد أبعاد العلاقة بين السلطة والناس في ليبيا، حيث أصبحت الضاحية التي كانت تحكم البلاد التي نسج حولها كثير من القصص من حيث تحصينها وتنوع المقار فيها وعدد السراديب والمخارج والمداخل السرية المحيطة بها. أصبح كل ذلك الخيال وهماً وطالت أدوات الهدم كل أجزاء المكان ليصبح باب العزيزية مكانا يؤرخ للغضب والبشاعة وسط العاصمة ويلوث ذاكرة الناس في كل وقت يمرون بها. المفيد أن الثورة أصبحت واقعا وغيب أهل ليبيا النظام ومٌنظره، واتسعت آمال الناس بصورة غير مسبوقة، حيث أصبح هناك حديث عن دولة جديدة ودستور وحياة برلمانية ومشاركة سياسية ودولة قانون. هذه كانت بعض مفردات ثورة السابع عشر من فبراير في ذهن الناس، إلا انه وبعد ثلاثة أعوام من اندلاع الثورة ولمجموعة من الأسباب تعاظمت لدى الناس مشاعر الإحساس بعدم المساواة أمام الثورة، وان هناك فئات تحصل على كل شيء تقريبا بينما قطاع كبير من الليبيين ظل بعيدا عن تذوق ثمار الثورة وهبات العهد الجديد. وهنا برزت من جديد أزمة المكان، حيث طالبت فئات من الليبيين بالانفصال مكانيا واقتصاديا عن ركب الثورة الوليدة، وعاد الحديث عن الأقاليم التي كانت تشكل مجموع الكيان الترابي الليبي في الفترة ١٩٤٥-١٩٥١م، وهي برقة في المنطقة الشرقية المحاذية للحدود مع كل من مصر والسودان وإقليم فزان في منطقة الجنوب والمحاذي للأراضي التشادية وللنيجر والجزائر ، ثم إقليم طرابلس في المنطقة الغربية وله حدود مع تونس والبحر المتوسط هذه الأقاليم كانت تخضع حينها لتأثيرات قوى خارجية معينة وتتمايز عن بعضها بمكوناتها الديموجرافية والطبوغرافية بطبيعة الحال. فكرة أزمة المكان في الواقع الليبي تحيل الباحث غالبا إلى مفاهيم الانفصال والصراع والسيطرة والسعي لتملك الثروة في غياب نظام عام يشعر الجميع بالمساواة. وقد يُلاحظ أن المكان سواء كان إقليم أو منطقة أو مدينة وما يبنى عليه من مفاهيم ثقافية ذات أبعاد سياسية أحد محركات الخلاف بين الناس، وتتأكد هذه الفرضية عندما يكون هناك شعور بالغبن السياسي وعدم المساواة الاقتصادية. وفي الحالة الليبية بشكل خاص هناك من يعتقد ان هذه الثنائية كانت أحد محركات الصراع في ليبيا إبان مرحلة القذافي، وكل الخوف أن تستمر تلك الآليات لتسم عهد ما بعد القذافي بذات الداء خاصة في ظل غياب مفاهيم العدالة السياسية والاقتصادية، ولتوضيح ذلك نجد أن الحدث عن بنغازي المدينة والمنطقة والقطاعات القبلية المصاحبة للإقليم الأرضي توصف دائما بأنها منطقة ظل مغيبة ومغضوب عليها من قبل السلطة. هذا مفهوم شبه مترسخ في الذاكرة الليبية لذا فالمنطقة الشرقية توصف غالبا بمهد الثورة ومدينة بنغازي هي عاصمة الثورة، في الوقت الذي توصف فيه مدينة طرابلس بعاصمة الدولة. مدينة طبرق الساحلية ومنذ إعلان انطلاقة البرلمان الجديد "مجلس النواب" منها وانعقاد أولى جلساته فيها وصدور بعض القرارات الجدلية من هناك واستمرار المجلس بمزاولة مهامه من طبرق للدواعي الأمنية هو صورة واضحة لأزمة المكان في الذهنية والواقع الليبيين. الأكثر وضوحا للفكرة الصراع المتوقع الذي يخيم على المنطقة الغربية ويدور في محيط العاصمة طرابلس في الحقيقة يمثل جوهر علاقة بين مكانين هما الزنتان ومصراتة وبين مفهوم الصراع في أبسط صوره.* مستشار في وزارة الخارجية وباحث في الشأن الدولي