عبدالعزيز اليوسف

قصة سلمان.. والحلم الكبير..!

قد تستيقظ الأحلام في بعض الطرقات.. وتنام على الأرصفة بعض الأمنيات.. هكذا هي الأقدار بتدبير المولى الحق عز وجل.. حين نريد ونريد ولكن الله تعالى يفعل ما يريد.. بدأت قصة سلمان بحادث مؤلم فكان هو الحدث.. كان شكل الحادث يوحي بالنهاية.. ولكن الله عز وجل بتدبيره وفضله جعلها البداية لسلمان.كانت الإعاقة هي النتيجة وكان سلمان هو الصامد.. توقفت قدماه عن المشي، ولكن عقله كان يجري.. وكان قلبه يتحرك في كل الاتجاهات.. بدأ بالرضا واستمر بالشكر، واعتاد على الصبر.. فكانت همته تقوده.. وكان الإصرار رداءه.. وكانت العزيمة هي سيرته.وبدأت رحلة سلمان مع العلاج هنا وهناك.. وكثير من المشاعر تلتف حوله.. وزخم من الأفكار تحول داخله.. حمل نفسه وهمومه واشجانه وحده.. والمنى كلها تقفز أمامه.. واضعا نفسه في أقدار الله عز وجل ومتكلا عليه وحده.. ذهب إلى "التشيك" لتلقي شيء من العلاج والتمارين ومتابعة اصابته واعاقته الحركية.تسع سنوات قضاها هناك بين العلاج والحياة والعمل.. استمرت به المعيشة واستمر هو في خضم حياته، ومساحات أمنياته.. صنع لنفسه مكانا ومكانة فكان يجتهد ويعمل ويتواصل.. واضعا نفسه في خدمة أبناء بلاده وأبناء الخليج.. ينظم امورهم وينسق لعلاجهم.. فهم الواقع هناك وتشربه بكل العطاء.. بذل جهده وتمكن أن يحلق بسمعة طيبة.الحنين.. والشوق وحلم العطاء جعله كل ذلك يفكر بالعودة إلى الوطن.. عاد كالريح الطيبة.. في المرة الخامسة أنجز شيئا من حلمه بعد إخفاقات أربع سابقة.. وأنشأ مركز كبيرا لعلاج المعاقين.. وبدأ مهمته الجليلة يتكسب نزرا منه وينفع الكثير من جوده.. بمنة الله وفضله ثم نية ورغبة سلمان نجح المركز في علاج الكثير.. فكان يخصص الكثير من مقاعد العلاج للمعاقين الفقراء.. وانطلق " كما ذكر لنا " من الآية الكريمة في قوله تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) فعمل بذلك.. وذكر مرة أنه انفق مبلغا من المال على مسكينة أتت بمعاق ليعالج في مركزه ولم تمر إلا ساعات حتى دخل حساب المركز ما يقارب عشرة أضعاف ما بذله عليها وعلى المعاق معها..نما حلمه فكان همه كل المعاقين في الوطن فتعددت الرؤى والأطروحات فانشأ مجلة مطبوعة ومنها الكترونية تهتم بأصحاب الاحتياجات الخاصة يتم بها تناقل الخبرات والتجارب والتوعية فيما بين المهتمين منهم، وقدم برنامجا رائعا لمدة أربع سنوات سماه "فرسان سلمان" كناية عن ان المعاق هو فارس وقائد.. وكبر حلمه ليفكر بإنشاء مركز لتأهيل وتدريب المعاقين ليتمكنوا من التوظف والعمل في سوق العمل.قصة سلمان ما زالت مستمرة.. وحادثه كان خيرة لغيره وهذا من حكمة الله عز وجل ودبرته.. حين استمعت له يتحدث عن منجزات كثيرة أنجزها في مركزه بفضل الله ومنته.. تذكرت واقع أصحاب الاحتياجات الخاصة والجهة الحكومية المسئولة عنهم وعن احتياجاتهم وتواضع ما تقدمه.. فالمعاقون يتكاثرون حولنا ومع ذلك يتباطأ التعاطي مع مشكلاتهم وأسبابها.. ويتأخرون في تهيئة مراكز للتأهيل والعلاج.. ويتجاهلون مطالبهم المعيشية وحاجاتهم الخدمية.ما قدمه سلمان جعل منه أنموذجا طيبا وكريما لابن من أبناء هذا البلد الكريم.. ما قدمه يحرج جهات حكومية لها علاقة بالمعاقين لم تقدم المأمول منها.. وخصوصا حين تجتمع الإعاقة بالفقر.. أو اليتم.. كما يكون ذلك مؤلما.ما قدمه سلمان يحتاج الوقوف عنده لمراجعة ملف الإعاقة والمعاقين والتعامل مع هذا الملف بجدية وفاعلية كبيرة، فتكاثرهم يزيد الألم ويوسع المشكلة ويسبب مشكلات أخرى تنتهي ببعضهم إلى الفقر والجريمة.الإعاقة الحقيقية هي إعاقة جهود الخير والعطاء، وتعطيل مصالح الناس خصوصا المعاقين.. أجر سلمان هو على الله عز وجل.. ولم آت بقصته هنا للمكافأة.. بل لأنه يحمل قضية كبيرة وحيوية في بلادنا وهو مثال نفع الله به وسخره لخدمة المعاقين الذين أحس بهم أكثر من جهات أهملتهم.. وهل ننتظر أن يكون كل المعاقين مثل سلمان وتكتب قصصهم مثلما كتب الله له..ختام القول : قصة سلمان هي قصة واحدة وهي قصة مشرفة.. لكن هناك قصصا مؤلمة للمعاقين لا يستشعرها إلا من دخلت بيته الإعاقة سواء كان مسئولا، أو ثريا، أو وجيها.. لذا فإن وجود هيئة عليا للاحتياجات الخاصة فاعلة.. هيئة مستقلة يقوم عليها من أصحاب الاحتياجات الخاصة ويتم تنظيمها رسميا من جهات معنية، وترتبط بالمقام السامي هو حلم كبير، ومطلب مهم، وضرورة ملحة للتخفيف من معاناة تلك الفئة بإذن الله.. فهل نراها قريبا ؟ يا رب.