طرفة عبدالرحمن

ظاهرة «التمسح بالدين»

كنت أعتقد أن ظاهرة «التمسح بالدين» لن تستمر طويلا أو على أقل تقدير لن تزداد نموا، كونها حيلة رخيصة، لم تعد تنطوي على عقول الناس، إلا أن ذلك لم يحدث. وقبل الحديث عن أسباب استمرارها "وتعملق" أصحابها على عرش قيادة الفكر المجتمعي، نعطي توضيحا بسيطا لهذه الظاهرة (ظاهرة التمسح بالدين)، وهي أن تلجأ امرأة أو رجل ما مدعما أحيانا بمنصب تعليمي أو اجتماعي، إلى الحديث في كل مناسبة باسم الدين وإطلاق أحكام وآراء شخصية مغلفة بإطار ديني لشرعنتها، معتمدين في ذلك على اقتصاص أحكام شرعية وآيات قرآنية لإقحامها قسرا وليا في القضية التي يتناولونها. هؤلاء يعمدون إلى هذا اللباس الديني؛ لإضفاء قداسة على شخصياتهم، كونها تعطي إيحاء أن منبعها ديني. هذا الفعل الذي ينتهجونه له انعكاس خطير على واقع الحياة العربية بشكل عام، أولا: لأنهم يتعرضون باستمرار للقضايا السياسية، ويشحنون العامة بتوجهات تتصادم مع المنظومة الأمنية الخاصة بالمجتمع قبل الحكومة، ثانيا: يحدثون خللا اجتماعيا من الناحية السلوكية للأفراد، لأنهم يصورون المجتمع بالبيئة الفاسدة التي تحتاج إلى الإصلاح على الدوام، مما يخلق جوا من عدم الاستقرار والتصادم بين فئاته والتعدي على الحريات وتكفير الآخرين أو تضليلهم، وهم في هذا الجو الصاخب يبرزون أنفسهم (بالقادة المصلحين) و (المجددين للدين). المشكلة الأساسية ليست في هؤلاء، بل في المتفاعلين مع هذه الظاهرة، فهناك أعداد كبيرة تتفاعل مع تلك الشخصيات المذكورة، وتعتقد بالفعل أنها تحكي بلسان الدين والشريعة!! الأدهى أنهم يظنون أيضا أن مس هذه الشخصيات بأي نقد أو نوع من الإدانة يمثل تعديا على الدين! مثار العجب هنا، أن سلوك فئة "المتمسحين بالدين" لا يحتاج إلى كثير من الفطنة والذكاء أو التدقيق البالغ والتحليل العميق لتكتشف تناقضاته وعلته، فهم دائما في حالة اتهامات وتخوين الآخر المختلف معهم، يهاجمونهم بالسب والشتم والدعاء عليه بكلمات غير لائقة، وهذه ليست من أخلاق الدين. القضية هنا بجميع أبعادها، سواء المتعلقة بفئة مدعي التدين أو تلك التي تنتخبها، أفرزت مفاهيم أيدولوجية مؤذية على المستوى الثقافي والسلوكي، فهي تحفز الاختلاف والكراهية خاصة عند خلط الدين بالسياسة، مثلا، إذا كنت لا تؤيد تنظيم "الإخوان" فأنت ضد دعم الدين، وإن كنت تؤيد الرئيس المصري الحالي، فأنت وفقا لمبدأهم على أحد أمرين؛ إما أنك منافق مطبل للسلطة، أو أنك لا تحب حماة الدين. ولا أدري في أي التصنيف أنت تقع عندما تقف محايدا ولا تؤيد هذا أو ذاك، أو تقف مع حق الأغلبية في تقرير مصيرهم؟ ربما في هذه الحالة يصفونك بالمتخاذل عن نصرة الإسلام والمسلمين. هم لا ينفكون في كل المناسبات عن إقصاء الآخر، فها هو مفهوم (المتصهينيين العرب) يبرز في زخم مشاكل الأمة العربية، مصطفا بجانب شعار آخر يقول: أحب الصالحين ولست منهم، وهو شعار يدعوك أن تناصر هؤلاء المدعين حتى لو كنت تتصرف بخلاف نهجهم!! لنبتعد عن سلوك التقديس الذي نضفيه على أي منظمة أو شخصية تستغل الدين، ليس بدافع الشعور بالكرامة والغيرة على عقولنا المستغلة فقط، إنما حماية لأخلاق ديننا الذي يعبثون به. أخشى من تعاظم ردة الفعل تجاه هذا الانقسام الفكري والأخلاقي في المجتمع. هذا الوضع يبشر بجيل قادم ينقسم بين فئة دواعش صغيرة ترى أنها تحمي فضائل الأخلاق والدين- وهم على غير هدى- وأخرى تركت لها الدين وبحثت في قيم وفضائل جديدة تنظم حياتها بها.