انيسة الشريف مكي

تاريخ امرأة..

العنف جريمة إنسانية فليتق الله كل معنف وليتذكر قدرة الله !! تابعوا قصتها وسترون حجم العنف .كل تلك السنين لم تُنسها ذكرى ذلك اليوم المشؤوم بأحداثه المؤلمة، تذكرت العش الذي بنته طوبة طوبة بدمها وعرقها، صممته بروائع فنها وبصماتها الرائعة في كل مكان.تذكرتْ بمرارة الأيام الأخيرة، الأيام التي كانت تأكل من أمنها وطمأنينتها ولا تعلم لها سبباً. كل شيء كان يبكي بلا دموع يشعر بدنو الأجل يشعر بقرب الرحيل.. حقائبها وأمتعتها الشخصية تسير بلا أرجل متأوهة كالملسوعة تنطق بصمت لماذا؟!! غادرتْ المنزل وكل شيء يبكي خلفها أثاثه حيطانه وكل بقعة شهدتْ عمرها وأجمل أيام صباها وضحكات أطفالها ولعبهم وحفلات تخرجهم.اتجهت نحو النافذة ووقفت تتأمل، تتأمل لاشيء، تقرأ تاريخها «تاريخ امرأة معنفة» وفجأة سالت دموعها غزيرة، ظلت في مكانها متسمرة كتمثال واستمرت في بكاء مرير، لا تبكي نفسها وحدها بل تبكي أمثالها من المعنفات. هل الإخلاص والتضحية سذاجة؟! وهل طيبة القلب والتفاني في خدمة الزوج حماقة؟جرس الباب يرن وهي في مكانها تقف بلا حراك!! لم يعد شيء يعنيها.. أولادها رسالتها الكبرى تكللت بالنجاح وفقهم الله وكل منشغل بعالمه.مشكلتها أنها كانت تحبه، تحب والدهم تحقق له كل أحلامه كخادم المصباح السحري شبيك لبيك.هيأت له كافة وسائل الراحة، ساعدته.. فمن موظف صغير لتاجر كبير. تركت النافذة وانفجرت في بكاء هستري، أحست بوحشة الوحدة التي يشعر بها موتى القبور بعد ذهاب الأهل والولد والصاحب والقريب، تمنت جرعة من الحنان والعطف وسماع صوت إنسان، تتلفت كغريب تاه عن الديار.الفراغ قاتل، أيامها الماضية مليئة بالمهام، سعيدة كانت بعملها وبإنجازاتها، كريمة تصرف كل رواتبها على الأسرة. جرس الباب يعاود الرنين وبإصرار بالغ ثم يتحول هذا الإصرار إلى محاولة كسر الباب من الذي يأتي في هذا الوقت من الليل؟!! عادت للتفكير والذكرى المؤلمة لم تكن تتوقع أن من وهبته عمرها يتحول إلى شخص غريب وبكل هذا العنف. لم تكن تتوقع أن مكافأة نهاية الخدمة طعنة في الصميم، طعنة في الظهر.في الآونة الاخيرة كان يخلق مشاكل لا داعي منها وتصمت حتى جاء ذلك اليوم وفي جو معتم كئيب جلس أمامها كجلمود صخر أحست أن بداخله بركانا يفور صمتا طويلاً، ودّتْ لو كان صمت الأبدية قبل أن تسمع ما سمعتْ، قلبها لم يخنها قط لكنها كانت تكذبه وتكذب الإشاعات.تحدث: العروس «مكافأة نهاية الخدمة» لا تريد ضرة وأنت لا تزالين ملكة هذا القصر، فمٌ يفتح ويغلق وشفاهٌ تتحرك، ذهلتْ فلم تسمع شيئاً مع أنها كانت بحسب تصرفاته الغريبة تتوقع أن شيئاً سيحدث إلاّ أنها لم تتوقع الطلاق، يتزوج لا يهم وانتهى كل شيء. أحست براحة غريبة عندما خرج كمن دفن عزيزاً عذبه مرضه.غادرت منزل عمرها وتركت كل ما يذكرها بالماضي كُسر الباب فأفاقت من أفكارها وأصوات مذعورة أصوات أبنائها دخلوا مسرعين وقلوبهم تسبق خطاهم ملقين بأنفسهم تحت أقدامها باكين.يكفيها هذا الحب وضمتهم إلى صدرها وأحست بالدفء والحنان فهي لا ترجو من الدنيا أكثر من هذا وطويت الصفحات المؤلمة من «تاريخ امرأة».