سالم اليامي

مأزق الدعم الدولي لليبيا

في آخر أيام العقيد القذافي ألقى سلسلة من الخطابات ومن بين تلك الخطابات، خطاب زنقة زنقة الشهير الذي هدد فيه الليبيين والعرب والعالم، ووصف الثوار ضد نظامه يومها بمجموعات من متعاطي الخمور وحبوب الهلوسة، في هذا الخطاب وردت جملة واضحة مفادها أن القذافي حينها لم يأمر باستخدام السلاح بعد، وتوضيحا منه لهذه الجزئية تحدث عن تسليح الناس في القرى والأرياف والمدن، وفتح المخازن لهم، في الوقت المناسب كما قال، ويبدو أن ما كان يتحدث عنه كان أمرا مخططا له.المهم أن ما حدث بعد ذلك بات معروفا للجميع، وبعد نجاح الثورة بقي السلاح بمختلف أنواعه الخفيف والثقيل منتشرا بين الناس، وتحصلت عليه الجماعات القبلية والمناطقية والأيديولوجية على الأرض الليبية، وبقي انتشار السلاح يمثل جوهر القوة التي يتنافس بها الفرقاء في ليبيا، في مراوحة غير مسبوقة في العالم العربي بين قوة السلاح وسطوته على الدولة والقانون والنظام، وبين إضعاف بناء الدولة ومؤسساتها، والجنوح بها إلى منطقة قوى متصارعة على السياسة والثروة والنفوذ.النخب السياسية الليبية أدركت أمرين مهمين منذ قيام ثورة السابع عشر من فبراير ٢٠١١م. الأمر الأول: ضرورة جمع السلاح من أيدي الناس بأسرع وقت ممكن، الأمر الآخر: ضرورة إيجاد آلية واضحة تساهم فيها قوى غير ليبية لتنفيذ عملية جمع السلاح، ووضعه تحت تصرف جهة واحدة فقط هي الدولة الليبية. هذا الفهم كان متوفرا منذ وجود الدكتور علي زيدان في رئاسة الحكومة الليبية المؤقتة. وأعلن الرجل عن هذا الأمر بوضوح في تصريحات احتاجت حينها إلى عمق في فهم مغزاها، وأتذكر أن ذلك كان في أواخر أكتوبر ٢٠١٣م.دعوات النخب السياسية في ليبيا وإعلانها طلب العون والمساعدة الدولية شهد درجات من الصراحة والوضوح والمباشرة في أوقات لاحقة، ويعتقد أن ذلك كان يتماشى مع زيادة استشعار تلك القوى لخطورة الأوضاع على الأرض، إضافة إلى استمرار ضيق الأفق المحلي لحلول ممكنة في الواقع، ومن ذلك طلب الحكومة الليبية المؤقتة في مارس ٢٠١٤م من المجتمع الدولي خاصة الأمم المتحدة، تقديم الدعم اللازم لاجتثاث الإرهاب المسلح من المدن الليبية.في الثامن عشر من شهر يوليو ٢٠١٤م طلبت الحكومة الليبية المؤقتة من المجتمع الدولي حفظ المنشآت الحيوية للشعب الليبي، وذلك عبر دعوة مجلس الأمن الدولي إلى وضع إطار قانوني للانخراط الدولي الأكثر فعالية في ليبيا. وفي السابع من أغسطس ٢٠١٤م ومع تدهور الأوضاع في البلاد، نجد السيد عبدالله الثني يؤكد أن بلاده لا تمانع في وجود قوات عربية أو افريقية أو دولية؛ لمساعدة أجهزة الدولة في بسط سيطرتها على الأوضاع.في مقابل كل ذلك من المؤكد أن المجتمع الدولي والقوى الفاعلة فيه، والتي يعنيها ما يحدث في ليبيا ولا يمكن أن تتخلى استراتيجيا عن مصالحها هناك، وستجد التصرف المناسب وفي الوقت المناسب لاختيار الفعل الذي يحافظ على مصالحها، المأزق في هذه الحالة هو ما تعيشه البلاد الليبية، والإنسان فيها الذي يكابد نقصا للخدمات وغيابا للدولة والأمن، وسط انقسام حاد بين الفرقاء الليبيين حول مفهوم المساعدة الدولية، حيث يرى قطاع كبير من الجسم العام للجماعات المسلحة في ليبيا، والتي تفضل أن يطلق عليها لقب الثوار، أن أي وجود غريب بين الليبيين يعد تدخلا في الشأن الليبي، وهو في بعض التقديرات عودة للذهنية التي تراكمت عبر العقود الماضية، والتي ترى أن أي مساعدة من الخارج تعني عودة للمستعمر وانتقاصا للسيادة.وفيما يتعلق بالسلاح وتنظيم وجوده في المجتمع والدولة، تبين الصورة الكلية لهذه الجماعات التي يمتلك البعض منها أسلحة من النوع الثقيل الذي ينافس ما لدى الدولة وبعض دول الجوار الليبي، أن التفريط في السلاح هو تفريط في متوالية تحققت في ثورة السابع عشر من فبراير، هذه المتوالية هي السلطة والثروة والثورة، ويزيد من تعقيد الفهم المرتبط بالسلاح في ليبيا ووجود الدولة وتطورها البعد الثقافي، الذي يبرز في آراء الناس العاديين أو قطاع كبير منهم، الذين يرون أن الاحتفاظ بالسلاح أصبح مرادفا للكرامة! وأن التخلي عن حمل السلاح واقتنائه قد يعني تخلي المرء عن قيم مهمة مثل العزة أو الشرف.