لغز الرسالة التي وصلت
■ وصلت أمريكا أترقب إصابتي (بطلق) ناري في لحظة عبور. كنت أعتقد أنهم (عصابات) و(رعاة بقر) منتشرون في الشوارع. كنت أعتقد أن القتل والتدمير يتحرك مع الناس، كل ذلك بسبب أفلام البنادق و(المسدسات) التي تحيط (بخصر) الرجال و(الصبايا الحلوين)، لحصد الأرواح. ثم بعد هذا، يتهمون العرب بتصدير (الإرهاب). وفي (أفلامنا) لا يجدون إلا (خصرا) عربيا (يلعلع)، وأيضا بدون أي سلاح. لكن ماذا بعد (الوصول) إلى أمريكا؟■ لم أجد المظاهر العسكرية في الشوارع التي حملتني. وجدت مظاهر الحياة المدنية، أما البلاد فكانت مغطاة بغابات (الإعلانات) التجارية. وجدت حياة هادئة غير (مكترثة): حياة الأيس كريم. حياة الرحلات والحدائق. حياة الجامعات والانجاز والتخصص. وجدت ناسا (فزّاعة): يرشدون، يتعاطفون، يساعدون، يشجعون، يشرحون، ويقدمون المشورة.تعلمت منهم الكثير من (العلوم). (حفزوني) على العلم والتعلم. لقيت منهم (الصراحة) والحث والإعجاب. قدموا لي قدراتي وأهميتي، وعرفوني بها. الأهم اكتشفت نفسي بينهم وبهم.■ أمريكا بلد ليس له تاريخ قديم. وفي العصر الحديث، بلد ليس له حدود. سكانه خليط من الأجناس البشرية للعالم القديم، كنتيجة يمكن القول، ان أمريكا تمثل كل تاريخ العالم، وتطلعاته وهمومه وأحلامه. الجميع فيه لهم نفس فرص الحياة والتفوق، ورغم ذلك، يتوق أهله إلى معرفة جذورهم، على الأقل، في برامجهم السياحية.■ في عام 1985 تلقيت رسالة من جامعة أمريكية، توضح نيتها خوض البحث عن عائلتي «الغامدي»، وتسعى إلى معرفة جذورنا كعائلة في أمريكا، ثم بينوا أن هناك «غامدي» مقابل كل ربع مليون أمريكي، واعتبروا ذلك مشجعا لدراستهم.■ ادعوا انهم حصلوا على الاسم، من مصادر، أهمها دليل التلفونات والبريد، ويسعون إلى إصدار كتاب عن عائلتي «الغامدي»، ثم طلبوا المساعدة في إنجاح مشروعهم، عن طريق الشراء مقدما لنسخة من الكتاب، وحددوا سعرا للنسخة الذهبية مقداره (20) دولارا، وثمنا للنسخة الشعبية (9) دولارات.■ كانت ردة الفعل ضحكة كبيرة، وعلامة تساؤل اكبر! اعتبرت الدعوة، دجلا. اعرف من أين أتيت، فلماذا التضحية بالمبلغ على شيء أعرفه؟! ذهبت إلى حد القول إن العملية كلها ضحك على ذقن «غامدي»، كل مهمته الدراسة والرجوع إلى بلده في اقرب وقت.■ أحجمت عن تلبية النداء، رغم اعتزازي بهذه الفطنة الطيبة من تلك الجامعة. وعلقت الرسالة في صدر البيت، للتندر، وارتفعت أسهمي أمام نفسي، شيء عظيم، أن يكون هناك غامدي لكل ربع مليون أمريكي.■ بعد حوالي 6 أشهر، وجدت على الصفحة الأخيرة من مجلة (النيوزويك)، وكنت مشتركا بها آنذاك، العنوان التالي: «القدس في العربية السعودية»، وتدعي تلك الجامعة أن القدس ليست في فلسطين، ولكنها تقع في المملكة، وتذكرت رسالتهم تلك، وقلت: هل هناك رابط؟!■ احتفظت بهذا العدد كوثيقة تاريخية، إلى أن فقدت أثره في مكتبتي المنزلية بالأحساء، التي عاث فيها اللصوص الذين سرقوا بيتي، أثناء غيابي في رحلة سياحية إلى بلاد غامد، وقد يكون هدفهم سرقة ذلك العدد. لكني حتى اليوم لم استطع إعادة ترتيب تلك المكتبة التي احتفظ بكتبها في كراتين، أتنقل بها أيضا من بيت مستأجر إلى آخر. وما زلت ابحث عن الوقت، الذي لم احصل عليه، لإعادة ترتيب المكتبة، والتأكد من وجود ذلك العدد من النيوزويك. ■ وفي تلك الأيام الأمريكية، جاءت الأخبار عن ظهور كتاب جديد، ترجم خلال ثلاثة أشهر، إلى أكثر من سبعين لغة، وكان عنوانه: «التوراة جاءت من جزيرة العرب». مؤلفه أخونا العربي من لبنان، (كمال الصليبي)، الذي كان رئيسا لقسم التاريخ في الجامعة الأمريكية. ثم ارتفع السؤال مرة أخرى: هل هناك رابط؟ ■ يدعي أخونا «الصليبي» أن ارض الميعاد، هي جنوب المملكة وليست فلسطين. وفي كتابه أورد الكثير من الحجج والبراهين والأدلة، موثقة بالكثير من أسماء الأماكن، التي يدعي أنها تحمل أسماء نساء يهوديات، ومواقع يهودية، مستندا إلى مراجع دينية، وكتب، منها الكتاب الشهير للمرحوم حمد الجاسر: «في سراة غامد وزهران»، ثم تابعت رد الجاسر في خمس حلقات في مجلة اليمامة، مفندا هذا الادعاء الغريب.■ وفي رحلتي الدراسية إلى بريطانيا العظمى، حصلت على النسخة العربية من كتاب الصليبي. وقدم المترجمون تبريرات ترجمته إلى العربية، ولكني لاحظت انهم غيبوا خارطة موقع ارض الميعاد في جنوب المملكة، ثم علمت أن الكتاب ممنوع من الدخول إلى المملكة.■ وبقيت أسأل: لماذا يتم منع دخول الكتاب؟! لكني وبأمانة تساءلت أيضا: هل هذا كان أقصى ما استطعنا عمله لمواجهة فكر الكتاب وفلسفته؟! الكتاب موجود، ومتداول خارج المملكة، وكان يمكن مقارعة الحجة بالحجة. ذهبت كل مرافعات شيخنا الكبير حمد الجاسر في صفحات مجلة اليمامة، وبقي الكتاب شاهدا على عدم قدرتنا في الرد عليه بكتاب مماثل، ويترجم إلى نفس اللغات التي ترجم لها كتاب الصليبي. ■ كان وما زال، بإمكاننا الرد على ذلك الكتاب، بكتاب آخر، يعده نخبة من رجال التاريخ في المملكة، والدول العربية، وحتى من بقية دول العالم، وتتبناه إحدى جامعاتنا، وبدعم مالي ضخم، لتحقيق رد موثق يقدم الحقائق ويبعد الشبهات، ثم يتم الترويج له في العالم، كرد للتاريخ الذي قد يتبنى يوما ادعاء الصليبي. ■ وسط كل هذه الأفكار حول كتاب الصليبي، تذكرت خطاب تلك الجامعة، التي طلبت مني تمويل البحث عن اسم عائلتي «الغامدي»، وتساءلت: هل ساهمت تلك الجامعة في تمويل مشروع الصليبي؟! أم أن الأمر، لا يتعدى كونه بحثا عن حقيقة تواجد اسم «الغامدي» كعائلة في أمريكا؟! ما زالت الأسئلة عالقة وحائرة، وأيضا خائفة. إذا كان السكوت في بعض الأحيان فضيلة، فانه وفي حالات أخرى قد لا يكون. ولكن من يحدد ذلك؟! تظل أمريكا كيانا مليئا بكل الإمكانيات، ويظل العرب في ملكوتهم لا يوظفون امكانيات غيرهم لصالحهم.