محمد عبد العزيز السماعيل

أبو خمسين واستعادة ريادتنا العلمية

هناك كثير من القامات العلمية التي يمكن أن تصنع الفارق الحضاري وتقلص المسافة بيننا كدول عالم ثالث «نامي» وتلك التي تضع نفسها في مرتبة العالم الأول، وذلك ليس جزافا أو قفزا على الواقع والحقائق وإنما هي حقائق بالفعل نراها كل فترة وأخرى، ونقرؤها أو نسمعها بصورة تكفي للسيطرة على عشوائيتنا الحضارية والعلمية التي لا تزال تصيبنا بالإحباط واستدعاء أمجاد التاريخ وأسلافنا الذين وضعوا أسس العلم الحديث.ينبغي أن نكف عن التباكي على الماضي والنظر الى المستقبل، فبيننا من يملك القدرة الحقيقية والمؤثرة التي تعيد تلك الأمجاد وتضعنا في المواضع الحضارية والنهضوية اللائقة بنا، وهناك بكل تأكيد عباقرة أنجزوا الكثير الذي لا نعلمه أو نسمع عنه، وهنا أستشهد بأستاذ هندسة النفط في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الدكتور صدقي أبوخمسين الذي حاز العديد من الجوائز العالمية وأكتفي بسرد ما حصل عليه مؤخرا، فهو حصل على جائزة «الإنجاز المميز لأساتذة هندسة النفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» للعام الحالي، من جمعية «مهندسي النفط العالمية»، وهي الجائزة التي تمنح كـ «ثمرة إنجازات مميزة لأساتذة هندسة النفط في التدريس والبحث العلمي والإسهام في الرقي المهني لمهندسي النفط والتميز في إرشاد الطلاب وتوجيههم».لا أملك بالطبع الرؤية الهندسية والعلمية التي تجعلني أستمتع بالدخول في تفاصيل منجزات الدكتور صدقي، ولكن لننظر الى الصورة الكلية والشاملة، فنحن لم نعرف تفاصيل منجزات ابن سينا وابن الهيثم والرازي وغيرهم، ولكننا نعرف أنهم أثروا البشرية والحضارة الإنسانية على مر العصور بأسس العلوم المعاصرة في مجالات الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك والهندسة والرياضيات وغيرها، وبالتالي فالمبدأ في هذا الإطار أن نواصل تلك المسيرة التي تكسبنا أرضية وحضورا علميا دوليا مؤثرا يؤكد جدارتنا واستحقاقاتنا العلمية التي لا يمكن استعادتها بالكلام وإنما بمثل هذه الجهود وأمثال هؤلاء الرجال.من المهم أن نتوقف عند العباقرة من أمثال الدكتور أبو خمسين الذي حصل على التكريم اللائق به من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وهو وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى في العام 2004، تقديرا لجهوده العلمية، التي تشمل اهتمامات بحثية تتضمن الطرق الكيماوية والحرارية للاستخلاص المعزز للزيت، وفيزياء الصخور، وقد حصل الدكتور صدقي على براءة اختراع أمريكية في طريقة التحكم في انتاج الرمال من المكامن النفطية.إننا وفي ظل وجود كثير من الصغار الذين يسعون الى ابتكار مخترعات في مجالات الحياة المختلفة، مطالبون بتطوير مؤسسات اكتشاف الموهوبين وحضانتهم ورعايتهم الى ما بعد المرحلة الجامعية، وذلك يحدث غربيا ما جعلهم يتقدمون وينهضون في ظل بيئات محفزة تحترم العلم والعلماء، وعليه فإن الأمل معقود في الجهات البحثية والعلمية والتعليم العالي لتطوير جسم يربط تجارب وإنجازات الدكتور أبوخمسين بالأجيال الموهوبة ليتحقق التفاعل العلمي القوي والفاعل الذي يمنح صغارنا احتياجاتهم المعنية والعلمية ويجعلهم يبدعون أكثر، وحين يحدث ذلك فإننا نكون وضعنا قدما في الطريق الصحيح الى المستقبل واستعادة ريادتنا العلمية التي أسسها الأسلاف.