عودة الملك إدريس
الملك إدريس السنوسي، من المتوقع أن يعود إلى ذاكرة الناس في ليبيا وفي العالم العربي في شهر رمضان القادم إن شاء الله، وذلك عبر عمل درامي ليبي كبير، في مسلسل تاريخي من ٣٠ حلقة بعنوان «الملك الصالح» المعلومات المتوافرة حول العمل تؤكد أنه سيستوعب عددا من نجوم التمثيل العرب، مهمة الإخراج ستكون من نصيب احد الأسماء العربية من سوريا، وستساهم كفاءات فنية وتقنية من اسبانيا ومن هوليود في عمليات تصميم وتنفيذ وتصوير المعارك. العمل كتبه الصديق الفنان والباحث التاريخي الليبي عبد الباسط الجارد الذي قابلته في طرابلس في مارس الماضي وأخبرني أن هناك إذنا من رئاسة الوزراء الليبية لوزارة الثقافة بتولي الإشراف على العمل من حيث الميزانية وخطة التنفيذ بعد أن تأكد للجهات الرسمية الليبية أن المادة المقدمة مطابقة لأحداث التاريخ الليبي من الناحية التاريخية والتي تؤكد الدور البارز للملك إدريس في تاريخ ليبيا الحديث. بعيدا عن هذه العودة الفنية «المحتملة» هناك من يطالب بعودة روح النظام الملكي إلى ليبيا وأبعد من ذلك يرى من يقدم هذا الرأي أن عودة الملكية إلى ليبيا قد تكون أحد الحلول الممكنة لإنقاذ البلاد مما هي فيه. ومن الملاحظات الجديرة بالانتباه أن دعاة عودة النظام الملكي إلى ليبيا يأتون من النخبة السياسية والثقافية ولا أدل على ذلك من تفاهم عدد من الجهات الحكومية في طرابلس على موضوع تمويل إنتاج هذا العمل الذي تقدر ميزانيته الأولية ببضعة ملايين، الدعوة إلى هذا الشكل من أنواع الحكم جاءت صريحة منذ أشهر على لسان وزير الخارجية الليبي الدكتور محمد عبدالعزيز الذي ذكر بالحرف انه «يتعهد بالدعوة للملكية في ليبيا كمواطن قبل أن يكون وزيرا».والحقيقة أن هذه الدعوة ليست جديدة في وجدان الليبيين حيث يمكن تلمسها بجلاء منذ زمن نظام القذافي حيث تأسست في العام ٢٠٠٨م جبهة معارضة تحت مسمى الجمعية الوطنية للدفاع عن دستور دولة الاستقلال، والمقصود به دستور العام ١٩٥١م أي دستور المملكة الليبية المتحدة. واحدة من وجهات النظر التي تحمل قدرا من الوجاهة والتي تراهن على كون الملكية قد تكون الحل للازمة الليبية تعتمد على أن طبيعة الصراع الحالي بين الليبيين هو صراع على المناصب أي السلطة والحكم، وإذا ما أعيدت السلطة للجهة الشرعية التي انتزعت منها في العام ١٩٦٩م وهي عائلة الملك إدريس وما زال على قيد الحياة منهم الأمير محمد بن الحسن الرضى، عندها سيتفرغ الليبيون لبناء الدولة ومؤسساتها، وإذا ما رغب الليبيون في ذلك فلن يعدموا الحيلة العملية والقانونية.في الجانب الآخر هناك من يقف من عودة النموذج الملكي إلى ليبيا بالمرصاد لأنها ببساطة تتعارض مع جملة من الطموحات السياسية لبعض الكتل أو التجمعات السياسية التي برزت على السطح في ليبيا بعد الثورة والتي ترى انه من غير المألوف أو المتناغم مع طبيعة الأمور أن يفرط الشعب في السلطة التي أعيدت إليه بعد أكثر من أربعة عقود، ومن ذلك الموقف الحاد الذي عبرت عنه إحدى الكتل البرلمانية في المجلس الوطني الليبي العام التي توصف بأنها متنفذه قبل أشهر عندما ردت على التصريح الشهير لوزير الخارجية بعبارة مختصرة «لا لعودة الملكية» يضاف إلى ذلك مجموعة من الأسباب التي رسختها فترة حكم القذافي في اللاوعي لدى الناس والتي شوهت لديهم مفهوم إعطاء صلاحيات واسعة لطرف ما في اللعبة السياسية. خاصة وان الإحصائيات القريبة من الصحة تؤكد أن أكثر من ٨٠٪ من الشعب الليبي ولدوا في فترة حكم القذافي. وهناك في ليبيا طيف سياسي ومكون ثقافي متمايز عن المكون العام يحاول بعد الثورة تعويض كثير مما يعتقد بأنه فاته في الحقبتين السابقتين في ليبيا فترة الاستقلال أو النظام الملكي ١٩٥١-١٩٦٩م وفترة حكم العقيد القذافي ١٩٦٩م- ٢٠١١م، وذلك بتجريب صيغ جديدة في الحكم تقوم على مفاهيم تلبي حاجات الأقليات وتبعد عنها مخاوف التهميش. من الغريب في الوضع الليبي أن مواطن التعقيد كثيرة، وفرص الخروج بحلول ممكنة تبدو نقطة بعيدة تزداد صغرا مع الوقت، لدرجة تجعل التفكير في إنتاج عمل درامي يعيد للناس شيئا من الأماني أمرا غير مؤكد.