هند المسند

يا سائلي عن اليتم.. ماذا أقول؟

اليتم فقد نهائي وفقد أليم، هو فقد للحبيب والقريب، ولو سألت الكثير عن اليتم فسيقولون لك هو فقد الأب أو الأم والأب وهو المتعارف عليه بيننا، نعم هو الفقد، وحين يتوفى الأب ويترك من ورائه أبناء أو بنات يكون الفقد ذا حدين.. حد للأب الذي مات ولا يعلم ماذا سيفعل أبناؤه من بعده، من سيعولهم؟ من سيجبر كسرهم؟ من سيرحمهم كرحمته؟ من سيرى مصالحهم ويتفهم مطالبهم ويمسح دمعتهم حين تشتد عليهم الكرب أو الألم أو أي أمر آخر؟. والحد الآخر هو الأبناء ومعرفتهم برحيل أبيهم.ليس اليتم بحد ذاته وفقد الأب هو الألم؛ لأن هذه الآلام تخف مع الزمن وتبدأ رويداً رويداً بالذهاب وتبقى الذكرى الجميلة التي تطرأ على البال ومنها تذرف العين لها ويشتاق القلب لرؤيته من جديد فيلهج اللسان بالدعاء له والرحمة.ولكن الألم حين تتولى أمر اليتيم جهات متفرقة في الفكر والدين والقوة والشخصية والعقل والخوف والحب والكره وكل المشاعر التي قد تحتويها أنفس من يتولون الفتاة أو الفتى بعد موت الأب، وتكون الطامة أكبر حين تكون الأم ضعيفة في الوقوف أمامهم أو أمام فكرهم، فتترك لهم زمام الأمور ليبدأ الحكم يمنة ويسرة بحسب أفكارهم وماضيهم وعقائدهم والأدهى والأمر مصالحهم.الألم حين يكون تقرير المصير في دراسة أو سفر أو زواج أو أي أمر يعتري اليتيم، ويريد ممن أوصوا عليه أن يكونوا كأبيه في حسم الأمر والاتفاق على مصلحة واحدة وهي مصلحته وليس مصلحة المجتمع ونظرته لتصرفهم تجاهه.يريد منهم أن يكون الله سبحانه ورسوله هما الحكمان فيما يقررون وفيما ينفذون وفيما يختارون وليس فكرهم وظنهم وتفكيرهم، لأن هذا الفكر سيضع العراقيل الكثيرة في تنفيذ القرار والذي قد يكون في مصلحته، بل والأشد ألماً حينما يتنقل هذا اليتيم بينهم وهو لا يعلم عن تواصلهم ليطلب منهم أن يحسموا الأمر، خاصة إن كان فيه خير كثير لا يرونه لأن كلاً منهم لا يريد أن يكون مسؤولا عن أي أمر يلحقه بعد اتخاذ القرار، وتنتهي المأساة حينما يأتي الخير مرارا وتكرارا ويمنعونه عنه وفي كل مرة يكون لأحدهم سبب لهذا المنع فيوافق الجماعة كلها ويحكمون القبضة على رقبته باجماعهم على عدم نفاذ الأمر فلا مناص له أن يقبل لأنهم أوصياؤه، ولكنه يعلم أن سهام الليل لا تخطئ أبداً، فيغادر مكانه كسير النفس، عليل الصحة، شديد الألم، مطأطئ الرأس لا يقوى على شيء سوى الدعاء وما أقواه من سلاح.يا سائلي عن اليتم.. والله ما اليتم إلا أن يولى عليك من لا يتحمل الولاية ولا يدرك ماهية الوصية التي أوجب الله تنفيذها وشدد سبحانه على عدم الإخلال بها.يا سائلي عن اليتم.. والله انه الألم الذي لا يشعر به من لا يكون معك فيه ولا يعيشه بجوارك ولا يرى ضعفك ولا حاجتك ولا رغبتك.يا سائلي عن اليتم.. والله انه الدمعة التي تخرج من عينك في ظلمة ليل لا يعلمها إلا الله، والكل مستغرق في نومه بين زوجه وأبنائه ضاحكاً وآمناً. يا سائلي عن اليتم.. إنه فقد الأب حقاً ولكن ثق أن اليتم ما يلي ذلك.يا سائلي عن اليتم.. أسأل الله ان لا تذوقه مرتين، ففي الأولى تفقد أعز الناس وأفواههم في حياتك، والأخرى هو الجور والكسر والقهر والألم ممن يعولك.أيها الآباء أطال الله في أعماركم وجعلكم بين أبنائكم حتى يقفوا على أرجلهم ولا توكلوا أمرهم لأحد، أوصوا عليهم من كان خلقه يسبق دينه، ومن كانت رحمته تسبق غضبه، ومن كان همه الآخرة، ومن كان يرى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أمام ناظريه وليس نفسه وفكره وحياته الماضية، ومن يعتمد في قراره على حكم الله ورسوله وليس الناس والعرف والمجتمع وماذا سيقولون.أيها اليتيم.. ذُكرت في كتاب الله لعظم امرك، وذكرت الوصية عليك لوجوبها وقوتها وقوة الحساب عليها، فكن على يقين وثقة بالله أن ما تراه اليوم ممن يعولك سيراه غداً حين يتوفاه الله ويوصي بأبنائه وبناته.. فيجدون ما وجدت.