بوحُ المداد في طرائف المزاد
الحديث عن عالم المزادات يستدعي بالضرورة المقارنة بين عالمين: عالم الترف وعالم الحرمان، وهي مقارنة تنطوي على مفارقات عجيبة. قرأت، قبل أيام، خبراً من مدينة أتلانتا الأمريكية عن مزاد علني على سرير غير مرتب للفنانة البريطانية تريسي إمين باعتباره عملا فنيا عنوانه (سريري). السرير في حالة فوضى ومحاط بعلب سجائر فارغة، وملابس داخلية مستعملة، وأدوية مهدئة، ومشروبات. وقد بيع بأربعة ملايين دولار. أي أن قيمة السرير تبني مجمعا سكنيا يأوي المشردين الذين يفترشون الأرصفة، ليس في مدينة أتلانتا فحسب بل في ولاية جورجيا كلها.أذكر أني قرأت قبل ذلك عن مزاد أكثر غرابة أقامته إحدى محطات الإذاعة بمدينة أتلانتا أيضا، حيث عرضت المحطة (ساندويتش) مقضوماً أكلت نصفه الفنانة ماريا كاري. ومن المؤكد أن عائد مزاد تلك الشطيرة المقضومة تطعم مئات الجياع الذين يلتقطون طعامهم من حاويات القمامة. لكن ماريا كاري تدعم الجمعيات الخيرية. وقد تبرعت بعائدات مزاد معطفين مصنوعين من الفرو الطبيعي لمشردي منغوليا. المعطفان هدية من بعض المعجبين، وماريا كاري ضد اقتناء ملابس الفرو، كونها من جماعة الرفق بالحيوان. عالم المزادات حافل بالعجائب، وبحكايات بعضها مقبول، وبعضها مثير للاستهجان. وقبل شهور كان مزاد التيوس حديث المجالس، بعد أن بيع تيس بمبلغ 300000 ريال. وبيعت ملكة جمال دجاج الخليج في مزاد علني بأكثر من 15000 ريال. وقبل ذلك عرضت في المزاد خصلة من شعر نابليون بونابرت، وأخرى من شعر الفيس بريسلي. وحذاء ماري أنطوانيت، ونظارة هتلر، وطقم أسنان تشرشل. وقبعة شارلي شابلن. ولو عثر على حذاء الطنبوري أو خفي حنين لدخلا المزاد بثقة واعتداد.وبعيدا عن عالم المزادات، تهدر أموال طائلة في غير أوجهها الصحيحة. يصرف بعضها على المظاهر، وبعضها استجابة لما تفرضه العادات. ومنها ما يُهدر في تغذية حروب وصراعات عبثية. ناهيك عن التخلص من فائض بعض المحاصيل الزراعية ورميها في البحر لرفع أسعارها. ولو صرفت تلك الأموال في أوجهها الصحيحة لتراجع مؤشر الفقر، وتراجعت معه مؤشرات البؤس والعنف والجريمة. ولأصبح العالم أكثر رخاء وأمنا. يرى الزعيم الهندي غاندي أن الفقر أسوأ شكل من أشكال العنف الذي يمارس ضد الإنسان.غير أن كل شيء يصبح منطقيا ومقبولا، بما في ذلك عرض شطيرة مقضومة في المزاد العلني، إذا خُصّصت العائدات المالية لمنفعة الإنسانية، وللمساعدة في تضييق الفجوة بين عالم الترف وعالم الحرمان. فكلما اتسعت تلك الفجوة قلَّ الاستقرار. في هذا السياق تحذر رئيسة أيرلندا السابقة، والمفوضة السامية لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة ماري روبنسون قائلة: "إننا في خطر بلوغ مرحلة ينقسم فيها العالم ليس الى دول نامية ومتقدمة، بل الى دول فاحشة التقدم وأخرى لا أمل لها في التقدم أبدا". في عالم المزاد لا يتكلم إلا المال. وللمال منطقه الخاص. ولعل من المناسب أن أختتم هذه السطور بملاحظة للكاتبة الفرنسية سيمون دو بوفوار، قد ترفع من معنوياتنا نحن معشر (الغلابه). ففي معرض حديثها عن زوجين لم يتحدثا طيلة ثلاثة أسابيع إلا عن سكنهما، وما سيكلف تأثيثه تقول: "أشعر، أنا التي لا أملك شيئا، أني أغنى منهما ألف مرة"! نعم.. ليس بالمال وحده تطيب الحياة.