الوضع الليبي.. حقائق الداخل ومخاوف الجوار
تجمع معظم التقارير السياسية والأمنية التي تحاول الاقتراب من الوضع الليبي العام على أن المشهد الداخلي يتصف بخصائص ملخصها الحرب في المنطقة الشرقية، والسياسة في المنطقة الغربية، والفوضى في عموم البلاد. فمنذ انطلاق عملية الكرامة التي أصبحت الممثلة للجيش الوطني تفيد التقارير أن هذه الحركة تمددت أفقيًا من خلال نمو عدد الأنصار والمؤيدين من مختلف شرائح المجتمع الليبي، في الوقت التي لم تسجل نفس التمدد على مستوى الأرض. الأهم من ذلك في هذا الجانب هو المواقف المتصلبة المبدئية لطرفي النزاع، فقيادة الجيش الوطني ومن خلال آخر تصريحات قيادة الجيش الوطني نفهم بصورة لا تقبل التأويل ثلاث حقائق هي: أن قيادة الجيش الوطني عازمة على تقليص قوة الإخوان المسلمين سياسيًا، وأنصار الشريعة والكتائب المسلحة الأخرى عسكريًا، وعازمة بصورة جادة إلى الآن على الأقل على تحقيق الأهداف التي تم الإعلان عنها من قبل، والمتمثلة بشكل عام في تخليص البلاد من الفوضى وبناء الدولة والمؤسسات وإخضاع الجميع للقانون، وفي الوقت الذي يشكل فيه كل ذلك تحديًا مبدئيًا لقيادة الجيش الليبي فهو في ذات الوقت تحد عسكري وبشري مع قوات لديها تسليح لا يستهان به، وتتمترس خلف قيادة قادرة على متابعة إدارة الصراع.في الدائرة الثانية من مستوى تحليل الوضع العام نجد أن الحكومة الليبية المؤقتة تقف بنفسها وبمستقبل البلاد في دائرتها الخاصة، والمقصود بذلك أن الحكومة وعبر ما تصدره من بيانات تعيش وضعا عائما يتعامل مع طرفي نزاع بنغازي بلغة خاصة تساوي أحيانًا بين الخصوم وتبارك ضمنيًا تصرفات خصم دون آخر، وتجعل من متابعة الوضع في البلاد الليبية عملا في غاية الإرباك عندما تطلب من الجميع التهدئة.أما الدائرة الثالثة التي مكنتها الأحداث الأخيرة من التقاطع مع الدائرتين السابقتين فهي ما يعرف بمجلس حكماء بنغازي، والذي تنقل تقارير قريبة منه أنه مكون من خليط من التوجهات فيها ما يصفه أهل ليبيا بالوطني والصادق وأخرى توصف بعكس ذلك. هذا المجلس هو الذراع الوحيدة التي يمكنها التقريب بين وجهات النظر وتجمع بين الفرقاء، إلا أن مصادر في الجيش الوطني الليبي تحدثت عن شرخ عميق بين مجلس الحكماء وبين قيادة الجيش الحالية، وهذا ببساطة يعيد الوضع إلى ما قبل المربع الأول، ويزيد من حالة الفوضى في عموم البلاد، ويعلي من مخاوف دول الجوار الليبي ويعزز من سعيها الجماعي لعمل شيء يوقف من حالة التداعيات الأمنية والسياسية، ولعل تونس أكثر تأثرًا بخطورة استمرار الأوضاع في ليبيا على ما هي عليه من غيرها. يتضح ذلك من تعدد المبادرات التي أطلقتها تونس وكان آخرها دعوة السيد المنجي الحامدي وزير الخارجية التونسي في السابع من يوليو الحالي إلى اجتماع لوزراء خارجية دول الجوار الليبي لمناقشة سبل الدعم التي يمكن أن تقدمها هذه الدول للجانب الليبي ليتمكن أهل ليبيا من إقامة حوار وطني بينهم يؤمل أن يكون خطوة أولى في سبيل إقامة عدالة انتقالية بين الليبيين، ويؤسس لتأمين مسار ديمقراطي يضمن أمن واستقرار ليبيا. يذكر أن الدول المتوقع مساهمتها في هذا اللقاء المزمع انعقاده في الثالث عشر والرابع عشر من الشهر الحالي هي تونس والجزائر ومصر والسودان وتشاد والنيجر، إضافة بطبيعة الحال إلى الأطراف الليبية التي لم يأتِ على ذكرها أحد إلى الآن، وهذا ربما يكون أحد عوائق هذه اللقاءات كما حدث من قبل. الجامعة العربية تبدي هي الأخرى اهتمامًا بالشأن الليبي يعكس ذلك الاهتمام انشغال المجموعة العربية بما يحدث في ليبيا، وحاولت الجامعة عبر تسمية أمينها العام مبعوثًا خاصًا إلى ليبيا، بلورة ذلك الاهتمام، وتفعيله عبر اللقاءات التي قيل إن السيد ناصر القدوة مبعوث أمين الجامعة العربية يقوم بها مع عدد من الأطراف الليبية بهدف التعرف على الوضع عن كثب وتقييم مواقف كل الأطراف، ووضعها بتصوراتها العامة في خدمة المؤتمرين للوصول إلى حل ينقذ ليبيا من الفوضى، ويحفظ للشعب الليبي أمنه واستقراره. الغريب في الحالة الليبية أن حاملي السلاح وأهل السياسة في الداخل يتبنون الدفاع عن ثروة الشعب وسلامته، وبنفس القدر تعلن دول الجوار مخاوفها على الشعب ومستقبله، وفي حقيقة الأمر يبقى الشعب الليبي الجهة الوحيدة التي تتلقى الصدمات.