د.محمد حامد الغامدي

أن تكون هناك رغبة وتطلعات

■ ■ قبل طرح السؤال الخامس في هذا الصيف، هل مالت ذاتكم نحو الملل؟! يحق لها ذلك. يأتي الملل عندما تعرف الذات بُعد مسافة السفر. زيارة المريخ أقرب أملا من حدوث التغيير. أتحدث عنه كأمل. يا لطول المسافة وغموضها. طرح الاسئلة ليس بهدف إيجاد اليأس والإحباط، وليس بهدف تضييع الوقت. الهدف مراجعة الذات عبر الحوار والنقاش، لنترك لذاتنا مساحة صافية، كافية للمراجعة، لتأكيد وجودها، خالية من التشوهات. إن لم تعثر على ذاتك، فهذا يعني أنها مختطفة، أنت من خطفها، منعت عنها النور الذي تحب، كنتيجة لا تبتهج بطرح التساؤلات المشروعة.. هل أرهقتك تساؤلاتها؟! الذات شأن، البعض يتركه دون رعاية، وتنمية واهتمام.■ ■ كان السؤال الرّابع عن تغيير الإنسان، كيف نغيره؟! أعطيت إجابة، السؤال الذي أتى بعده: لماذا التغيير؟! هذا نص السؤال الخامس، يا للعجب، انظروا كيف تجري الأيام بسرعة نحو المستقبل، هل تعلمون ان المستقبل هو الموت؟! البعض ترتعد خبايا نفسه عندما يذكره، الموت حالة جمالية، مثل بقية الأشياء في حياتنا، لكنه غموض مرعب، ما بعده مجهول، الإنسان عدو ما يجهل. الموت فناء، الموت خاتمة، كل شيء في حياتنا ينتهي بخاتمة. هنا يأتي دورك للبحث عن حسن وكمال الختام، فللدراسة ختام، وللعمل ختام، وللأخلاق ختام، وللعبث ختام، وكذلك التهور، فشل التقاعس والتخاذل سوء ختام، التغيير ختام شيء يؤسس لبداية شيء آخر.■ ■ الفرد يملك بين يديه مفاتيح أسرار التغيير وحسن الختام، كنّا أمانة، فهل أدّوا الأمانة كاملة تجاهنا؟! كنّا أطفالا، اليوم لدينا أطفال، لا نملكهم، لكننا مستأمنون عليهم، فهل نؤدي واجب الأمانة؟! التغيير من هذه الواجبات، نجهز أطفالنا للمستقبل، حث وتحفيز الدماء الشّابة على العطاء الأفضل، نحو التغيير الأفضل.■ ■ لماذا تغيير الذات؟! الإنسان يجدد نفسه بنفسه، البيئة كذلك، للتغيير شروط وقواعد، الأمر لا يأتي مصادفة، الإنسان خليفة الله في الأرض، يحمل مقومات الخلافة؟! زوده الله بقوى وطاقات لتمكينه من الخلافة، لبناء الأرض وتطويرها لصالحه، استخدام وتفعيل هذه الطاقات جزء من العبادة عند المسلمين، يقول سبحانه وتعالى: [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] البقرة (30). من سمات وخصائص خليفة الله القوة والأمانة، القوة هنا تعبير عن الطاقات، القوة والأمانة تعبير عن القرار الصائب. جهّز الله - سبحانه وتعالى - الإنسان بقوى وطاقات، أشبه بالصلاحية التي تمكنه من تحقيق إعجاز البناء والتعمير والبقاء، تفعيل هذه الطاقات واستغلالها، يوجد الفارق بين الأمم، من شروط النجاح أن تعمل هذه الطاقات بشكل متواز ومتزن، يجب عدم طغيان طاقة على أخرى. ■ ■ التغيير يأتي لتفعيل هذه الطاقات، هذا هو الجواب، التغيير ضرورة لاستثمار هذه الطاقات والقوى، التغيير ضرورة لترسيخ مفهوم الخلافة في الأرض، التغيير يأتي من الإنسان، لصالح الإنسان نفسه. هناك تغيير حميد، وآخر غير حميد، التغيير الحميد يأتي وينتصر ويتوسع ويستمر، لأنه الحق، التغيير لا يتم عبر محاضرة أو مقال أو برنامج وفيلم سينمائي، التغيير يتم عبر رؤية واستراتيجية وخطط وبرامج قابلة للتنفيذ، التغيير تنمية تتبناها الدول. ■ ■ الحديث مازال عن تغيير الذات، أكرر، أتحدث عن تغيير الذات وليس المظهر. طاقاتنا الهائلة داخلنا ليس لها حدود، البعض يكتشف هذه الطاقات، البعض يموت دون أن يعلم بوجودها، أقلها شأنا أن تعيش لتحافظ على نسلك. قد يأتي من صلبك، وأنت الخليفة، من يفجر هذه الطاقات، لصالحه وصالح البشرية. الذّات مهمة، كنتيجة حذر الله من تعريض الذات للخطر والتهلكة، حرم الانتحار وقتل النفس، دعاها للتأمل والتفكر والتدبر، وهذا زناد التغيير.■ ■ الأمم القوية، فجرت طاقات إنسانها، رسمت بهم طريقها للقمة والثبات، ستنتهي في غيابها بالتدريج، إلى أن تختفي في ظلمات الجهل والتخلف، عندها تأتي حضارة أخرى، لأمة أخرى، متعطشة لوراثة الريادة. هذه دورة الحضارات البشرية بكل اختصار، كنّا منهم، إلى أن تخلينا عن تفجير طاقات النّاشئة، فكانت الكبوة، نتائجها تخلف وجهل، ومازال. لا أتحدث عن التاريخ، فتلك قصة أخرى، هناك أعداء للأمم الحضارية، يسعون لهدمها وخرابها، تظل الأمة قوية بقوة عطاء طاقات أجيالها، كنتيجة يعجز الأعداء عن جرها إلى مسارات التهلكة والتخلف.■ ■ من هذه الطاقات العظيمة التي لا ندرك أهميتها: طاقة العمل، انظروا إلى انجازات إنسان الحضارات السابقة، بناء الأهرامات طاقة عمل، صور الصين العظيم، حفر قناة السويس، وهناك أمثلة كثيرة. بناء المدن والكباري والطرق، مد قضبان السكك الحديدية، انجازات حققتها هذه الطاقة، العمل مفخرة الأمم الناضجة ومحور نجاحها، العمل سلاح الأمم الذي لا ينضب، خلف نجاح مسيرة أي أمّة، إنسان يعمل بكامل طاقته، خذوا الصين كمثال في العصر الحديث.■ ■ هناك طاقة التعلم، طاقة متجددة متطورة، طاقة تحتاج إلى من يكتشفها ويحركها ويستثمرها، كل ما جرى في حياة البشرية من تطور، حتى اليوم، كان نتاج هذه الطاقة. استطاع اختراق الفضاء، تمكن من اختراع التقنيات وتطويرها، هذا الغرب حقق للإنسانية مكاسب حضارية، بفعل استثمار هذه الطاقة في الاختراعات والاكتشافات: الكهرباء، الأدوية، الأسلحة، التقنيات، أدوات البحث، نماذج بين أيدينا، طاقة التعلم أداة الهيمنة والنفوذ وتحقيق الذات. ■ ■ هناك طاقة الأمل، محفز البشر لتحقيق أهدافهم، فبالأمل استطاع الإنسان استيعاب الماضي، ثم أضاف للحاضر، ومهد للمستقبل، في عمر لم يتجاوز العقود الستة، سن تقاعده. الأمل طاقة شحن لتفتيت عوامل التحدي وحزم المشاكل والصعوبات، الأمل أزاح المجد العربي من الأندلس بعد ثمانية قرون، الأمل جعل لليهود دولة بعد مسيرة التيه عبر التاريخ البشري.■ ■ هناك طاقة الطموح والإبداع، مكامن أخرى قوية في الإنسان، لا تخفى عليكم أبعادها ونتائجها، هناك طاقات أخرى عظيمة، أترك لكم تحديدها، الخلاصة، نغير الذات لتفعيل هذه الطاقات وتوظيفها واستثمارها، التغيير دون تفجير هذه الطاقات، عبارة عن مسيرة ضياع نحو الفناء.