ثريد بالمنجا!
كنت خارج البلاد، وبالي مشغول بأني لم أتسوق لرمضان. ما أن وصلت للمنزل، حتى دخلت على تطبيق السوبرماركت على الجوال لأتفحص العروض والأسعار قبل أن أذهب، وجدت نوعين أو ثلاثة عليها تخفيض واضح وبقية الأنواع أسعارها كالمعتاد أو طرأت زيادة على أسعارها. توجهت للسوبر ماركت، لأجد مواقفها غاصة بالسيارات. اضطررت أن أوقف سيارتي بعيداً، أما داخل السوبرماركت فالزحام شديد، صادفت أحد المعارف فلفت نظري لمفارقة: كرتون البطاطس بـ 18 ريالا وكرتون المنجا الصغير بنفس السعر، مازحته قائلاً: نأكل ثريد بالمنجا في رمضان! عندما نتفكر في سلوكنا الاستهلاكي، في رمضان، تجدنا نتصرف باعتباره موسماً للتسوق، ولا علاقة له بالجانب التعبدي بقدر ما له من صلة بالجانب الاجتماعي الذي أصبح طاغياً؛ ففي هذا الشهر يتبادل الناس الزيارات والدعوات، ونادراً ما تتناول الأسرة إفطارها منفردة، وإن تناولته منفردة يوماً فبالقطع ليس في الأيام التالية، إضافة للتزاور بعد الإفطار، و «الغبقات» بعد الزيارات، ثم السحور بعد «الغبقات»! ثم تأتي فترة الإمساك عن الطعام وكأنها استراحة محارب.هل يعقل أن يفعل بنا «شراب التوت» كل هذه الأفاعيل؟ وكما كسبت اليابان كأس العالم في الأداء النظيف لمشجعيها، يجدر بنا أن نستقبل الشهر الفضيل بالتسوق «النظيف»، ونحرص على ذلكلم يعدّ الأمر يتوقف على الطعام والشراب، فمن الأسر من توقت تجديد أثاث بيوتها في شعبان، أو بحدٍ أدنى أثاث المجلس! ومن الشائع شراء شاشة تلفزيونية كبيرة، ليس لمتابعة كأس العالم بل لمتابعة البرامج التي تفضلها الأسرة وضيوفها أيام الشهر الفضيل. وهناك من تشترط على زوجها، زرع تلفزيون في المطبخ ليكون بوسعها «شَف» الطبخات التي تعرضها ألف قناة فضائية، أو متابعة ما تفضله من برامج حسب اهتماماتها وميولها. وهناك من قد يشترطون تلفزيوناً لمتابعة «المسلسل» المفضل عقب الإفطار. ورغم تفاوت الاهتمامات، فهستيريا الاستهلاك أصبحت هماً رئيسياً في رمضان، مما يجعل جزءاً مهماً من الوقت والمال يذهبان لهذه الاستعدادات حتى قبل وصول الشهر الفضيل. وظني أن الكثير منا شاهد صور ومقاطع لما فعلته العروض التشجيعية التي أطلقتها بعض محلات السوبرماركت، فهل يعقل أن يفعل بنا مشروب كل هذه الأفاعيل؟ وكما كسبت اليابان كأس العالم في الأداء النظيف لمشجعيها، فكذلك يجدر بنا أن نستقبل الشهر الفضيل بالتسوق «النظيف»، لا أقول الخالي من العروض، بل الخالي من التوظيف التجاري المستميت والمتهافت والناتج عن تقاطع الرغبة الجامحة للاستهلاك والرغبة المتورمة لإغراء واستقطاب المستهلكين. هذه ليست دعوة للمثالية، لكن ما يحدث الآن هو توظيف لأساليب تسويقية تؤدي بالناس للتدافع؛ فأصحاب هذه العروض ينظرون لما سيربحونه من «عربة التسوق» برمتها، ولا يمانع في أن يتكبد خسارة في صنف مطلوب ليربح في أصناف، متطلعاً للربحية من كل متسوق وليس من كل سلعة، وفقاً لما تحويه عربة المتسوق من بضائع. هل بوسعنا تقنين هذه الظاهرة الرمضانية التي أصبحت جُنة الباعة وفرصتهم لتحقيق أعظم الأرباح؟ هل بوسع الجهات الرسمية كوزارة التجارة التدخل؟ لعله ليس من الضروري تدخل أي جهة، بقدر ما أننا بحاجة لشيء من الريادة والابداع في أساليب التسوق والتسويق في رمضان، ربما تتولى المبادرة إحدى الجامعات، أو يطرحها أحد أساتذة التسويق على طلبته لإعداد بحث أو بحوث حول هذا الأمر. إذ يبدو أنه ليس مطلوبا أكثر من المحافظة على استقرار الأسعار، والنظر بريبة للتخفيضات الكبيرة على أصناف بعينها؛ كما أنه من المستهجن رفع السعر وكذلك من العجيب خفضه دون ضوابط. من ناحية أخرى، فهناك من يرى أن العروض الرمضانية الترويجية هي كبقية العروض التي تجريها المحال في المواسم. وإذا كان الأمر كذلك فمن الملائم أن تُدقق من قبل وزارة التجارة، فمثلاً ما مدى الحفاظ على حقوق المستهلك عندما يخفض سعر صنف من جهة ويرفع سعر أصناف عدة من ناحية ثانية؟ أو أن يحدد عدد ما تشتريه بقطعة واحدة أو اثنتين بالسعر المخفض؟ أو أن يضع أسعاراً مخفضة على بضائع على وشك انتهاء صلاحيتها؟ وعندما تكون هذه العروض سارية لأيام قليلة فقط، ما يؤدي أن يصلي بعض المتبضعين الفجر ليذهبوا بعدها مباشرة للسوبرماركت حتى لا يفوته وقت تخفيض شراب التوت أو المكرونة أوزيت القلي أو السكر أو الأرز!. وفي النهاية أعود لسعر البطاطس الذي ارتفع قبل بداية رمضان، وأقول إن تسعير الخضار والفواكه في محال البقالة غير خاضع لأي مراقبة، فلا تراقبها وزارة التجارة ولا البلديات، ولذا فتكاد أسعارها تكون جزافية. وهذا الحدو الذي يعاد تكراره سنوياً قبل قدوم رمضان بحاجة أن تعالجه الجهات الرقابية بأساليب مبتكرة تبعد طالبي الثراء السريع عن سلع رمضان مسيرة شهر، وتخفف من الضغوط للشراء من أجل الشراء.