وجه آخر للحرب
ما يحدث في المنطقة العربية منذ مدة، يعطي شعورا للمراقب بأن مناخات الحرب والصراع بين المكونات البشرية والثقافية في منطقتنا هي السائدة بامتياز، أكثر من ذلك يمكن للمراقب عبر متابعة ما ينتشر بكثافة هذه الأيام في بعض وسائل التواصل الاجتماعي، أن يدرك أن زخم الصراع وسرعة وتيرته ولد اشكالا أخرى للحرب وأبرز ادوات جديدة للصراع، في الحقيقة أن هذه الأوجه قديمة واستخدمت منذ أن عرفت البشرية الصراع والتنافس بشقيه المادي والمعنوي، الجديد فيها اليوم استخدام أدوات التواصل الاكثر انتشارا وربما تأثيراً لقتل خصم أو خصوم، وبقصص وأخبار وحكايات مفبركة فيها شيء من الحقيقة المجردة المتاحة لكل من بحث عنها، وفيها اشياء من الكذب والتزوير والتلفيق. وكل ذلك بهدف قتل الخصم وبضربة قاضية بأقل كلفة ممكنة. في الفترة الاخيرة وعبر ما يسمى بجيش الأسد الالكتروني وأجهزة أخرى متكاتفة بالضرورة بنيويا مع الخط العام له وتنظيمات حزبية في لبنان مثلا، أو أجهزة مهمتها اختلاق القصص والحكايات حول فساد دولة أو نظام أو حتى كاتب صحفي، عادة ما تأتي من عواصم بعينها في المنطقة وفي أوروبا.تقنية قصصية وروائية مشهورة وقديمة واستخدمت تاريخيا في الصراعات الدينية والمذهبية، وهي تقنية «تضخيم الحدث الأكثر تأثيرا»انتشرت قصص أقرب إلى قصص الخيال، مُحاكة على طريقة أسلوب استفزاز القارئ وتوليد الصدمات المتتالية المبنية، على أن القارئ «جاهل» وأن سلسلة الصور والاخيلة في البناء القصصي ستستمر في توليد عدد لا متناه من الصدمات، تجعله قابلا لتصديق ما يعرض أمامه على أنه فتح وكشف، وسبق لم يصل إليه القارئ العادي بمجهوداته الطبيعية. إنما هناك قوى للخير والفضيلة والتنوير هي التي تابعت وحللت واستخلصت النتائج وقدمتها له. هذه القوى بطبيعة الحال وفي مثل الظروف العامة التي تعيشها منطقتنا هي قوى تدمير فكري، وأدوات حرب تحت الجلد. تدمر بصمت حتى وان كان من يصدقها عددا صغيرا من الناس.إن أخطر ما في هذه الرسائل التي تتحدث عن الشذوذ والفضائح الجنسية على سبيل المثال لأشخاص بعينهم يعرفهم القاصي والداني، ثم تجير نتائج تلك الممارسات غير الموثوقة إلى خطيئة تاريخية لنظام ومجتمع ودولة، وتحاول الايحاء الخفي بأن كل ذلك السواد الفكري والديني والثقافي والبشري سمة بارزة، أخفتها الأيام عن عيون الطاهرين والأتقياء. وهنا في تقديرنا تكمن خطورة هذه الرسائل. لكونها تطال المعنوي والقيمي الثابت. وتجعل منه مادة للتساؤل. لو فكر احدنا بهدوء وموضوعية، وتصور ان اشخاصا من الجنسية "ص" على سبيل المثال ذهبوا إلى بقعة ما في هذه المعمورة، وطبقا للقانون المعمول به في تلك البقعة قاموا بعمل غير مقبول على معظم المستويات كإجازة بتر الاطراف البشرية، أو بيعها.هل يمكن القول: إن الدولة التي يحملان جنسيتها أصبحت في مقدمة البلاد التي تبيح ذلك الفعل؟ وهل يسمح لنا تداعي المعاني البريء بأن نركز على أن عددا من المسئولين في تلك الدولة، وأصحاب النفوذ والأمر يقومون بالعمل نفسه ولكن بشكل سري؟ الأخطر من ذلك تقنية قصصية وروائية مشهورة وقديمة، واستخدمت تاريخيا في الصراعات الدينية والمذهبية، وهي تقنية «تضخيم الحدث الأكثر تأثيرا» واستخدامها بطريقة مندسة في ثنايا القصة، يجعل الكثيرين أمام حادثة حقيقية لا متخيلة أو مروية، ولتوضيح ما أعني يلزمني العودة للمثال السابق أي الاشخاص التابعين لجنسية البلد "ص"، وتسجيل اللحظات الاكثر حميمية عندما باعوا او بتروا أعضاء من أجسادهم، تخيلوا أن أحدهم كتب: "كنت أحلم بهذا اليوم الذي يقربني من الحياة التي أتمناها وحرمتني منها العوائق في بلدي"، وتخيلوا أن الشخص الآخر كتب: "سأعيش ما تبقى لي من العمر سعيدا بكلية واحدة وعين واحدة وبجزء من كبدي". قد يلاحظ القارئ الكريم أنه حصل انتقال كبير بالمتلقي من متابعة لراوي او واصف للشخصيات، وتحويله إلى إنسان مشارك ومنغمس في صلب الحدث. وهذا مكمن خطورة آخر ومن المنافذ المهمة في بناء التصور العام وتركيب الأفكار.بقي الاشارة إلى أمرين مهمين، الاول ان هناك معلقين الكترونيين على مثل هذه القصص جاهزون، وبشكل دائم لتعزيز الافكار الموجودة في القصة، وهذا جزء من تثبيت وتأكيد وترسيخ الرؤية، وهناك حقيقة مهما استخدمت بعض الاطراف من تقنيات وقصص وتلفيقات لن تستطيع النيل من أسس ثابتة في وجدان معظم المسلمين في أدغال أفريقيا، أو في سهوب آسيا الوسطى. وهي أن بلدا مثل المملكة العربية السعودية لن تكون يوما من يسعى لهدم أسس الدين الإسلامي الذي قامت عليه ولا مبادئ الاخلاق العربية الأصيلة.