ابتداع الكراهية !
طرح فريد زكريا هذا السؤال الصاعق المباشر عقب أحداث 11 سبتمبر، فردده خلفه الملايين من الأمريكان؟ والآن تعود قضية الكراهية للواجهة ولمنطقتنا، وكأننا أمام كرةٌ مرتدةٌ! لكن أمريكا لم تكتف بطرح الأسئلة، بل جاءت إجاباتها على شكل فعل، ومنها تقسيم العراق طائفياً قبل أن نراه الآن يأخذ مسار التقسيم والتفتت للأسف. لا أقول: إن بريمر هو من ابتدع أو اخترع بذور التكاره الطائفي، فهي أقدم من ذلك بقرون. فالكتب تزخر بها وتعج، لكن الحديث دائماً عن ابتداع فصائل وتهجين فسيلات، وسبق أن حدثتكم هنا عن حروب لم تنقطع بين الشاه إسماعيل والسلطان سليم، أفنيا فيها أعمارهما وأعمار الآلاف سواهما. لكني أكتفي وأقول: إن لكل فعل ردة فعل بما في ذلك الأفعال التي يحركها الكره، لكنها في حالة الكراهية تكون ردة الفعل أضخم وأشد.في حالات نادرة، تولد من رحم الكراهية الدامية قوة إيجابية لا تقهر؛ فقد نهض الألمان ثانية بعد أن حطم الحلفاء مدنهم، أذكر أني سرت مع صديق ألماني في شوارع ميونخ، وطوال الجولة كان يحدثني عن حجم الدماركما لاحظنا ردة الفعل الأمريكية عقب 11 سبتمبر، أو ردة الفعل على ردة الفعل الأمريكية، وفي حالات نادرة، تولد من رحم الكراهية الدامية قوة إيجابية لا تقهر، كما نهض الألمان ثانية بعد أن حطم الحلفاء مدنهم. أذكر أني سرت مع صديق ألماني في شوارع ميونخ، وطوال الجولة وهو يشرح لي حجم الدمار. ولا ننسى اليابان، التي أصرّ مكارثي على إهانة إمبراطورها (ابن الشمس- كما يلقب) لتنهض اليابان بعدها وتصبح قوة اقتصادية ضاربة.الآن وقد بدا واضحاً ان الكراهية أمرها بغيض عن البشر الأسوياء، فما الحل؟ كبت المشاعر الجياشة والسيطرة عليها أمر، وانفلاتها من عقالها وتحولها لطاقة سلبية وفعل دموي أمر آخر. خذ مثلاً من يكره فتاة ويقرر أن يتحرش بها، بل وحتى أن يهتك عرضها، أو من يكره أشخاصاً فيسعى لأن ينال منهم، أو من يكره أصحاب مدارس فلسفية أو مذهبية ويجد لزاماً عليه أن ينال منها بشتى الوسائل والطرق.وتكمن خطورة الكراهية في أن تتحول المشاعر إلى فعل، وهذا ما يعني "سبق الإصرار والترصد" فكما قتلت ومثلت "شجرة الدر" بغريمتها بالقباقيب، ووزعت بتلك المناسبة "السعيدة" حلوى "أم علي" المشهورة. فهناك من يلحق أذى بنفس أو ممتلكات مدفوعاً بكراهيته، لدرجة أن حتى القتل والتمثيل وإتلاف الممتلكات لن يشفي نار الكراهية الملتهبة في جوفه! فما الحل؟ ليس بوسع أحد الاتيان بحل. فالجريمة الناتجة عن الكره تعود لزمن قابيل وهابيل، لكن يبدو أن من وجد حلاً للكره كان بأن قلب الطاولة على الكراهية. فالرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يقتص ممن رماه بالحجارة في الطائف، على سبيل المثال لا الحصر. وتاريخنا الإسلامي مليء بالأحداث والمواقف التي اقتلعت الكره بالعفو والتسامح، وإذا انتقلنا إلى التاريخ الحديث ومواقع أخرى من العالم، ومع الفارق، فغاندي لم يبادل الكره بكره، بل بادله بتسامح وعفو، بل وحتى بحب. والأمر لا يختلف من حيث الجوهر مع نيلسون مانديلا، فبعد أن قضى ما يقارب ثلاثة عقود في سجون الحكم العنصري في جنوب أفريقيا، لم يبادل سجانيه إلا بالعفو والتسامح.الحل إذاً هو التسامح، وإلا فإن نار الكراهية قادرة على أن تأكل الأخضر واليابس، وأن تبيد الأرواح البريئة، وهكذا نصل إلى القصد، وهو أن "المضاد الحيوي" لاشتعال الكراهية في صدر أحد منا هو التسامح والصفح، هذا إن كان هناك سبب موجب للكراهية. أما الحقد المرسل لأسباب عنصرية أو طائفية فهذا علاجه بحاجة لثقافة ولقانون. تصور أن أحدنا سافر وصادف وهو يسير في إحدى المدن كازينو للقمار، فما الذي سيفعله، وهو الذي لا يطيق القمار ومن يتعاطونه؟ سيتجاوز ويكمل طريقه، مكتفياً بأن يلزم نفسه بألا يدخل الكازينو! وهو سعيد بأنه لا يوجد كازينو، حيث يعيش. الآن، تصور أنك وأنت تسير في حارتكم، ورأيت جاراً لك يعنف ابنه لعدم انتظامه في أداء صلاته، فما الذي يمنعك ألا تقاطع الشاب وأن تبث الخبر عنه؟ بوسعك فعل ذلك والتشنيع عليه، لو كنت تكرهه، وتكره والده الذي يفوقك ثراءً وجاهاً في الحارة.هناك من لا يستطيع إلا أن يفرغ ما يعتمل في صدره من ضيق إفراغاً عنيفاً، وهناك من امتلك الحكمة لامتصاص عواطفه والتحكم فيها، فيلجأ للتسامح. وهناك من كان ضحية للكراهية، لكنه استطاع أن يتسامى فوق جراحه الجسدية والنفسية وأن يتجاوز عن الانتقام ويترك الانشغال برد الصاع صاعين للغرماء إلى النهوض من جديد وإكمال الطريق الأهم، وهو التقدم العلمي والنبوغ الاقتصادي والبناء الحضاري، والشواهد تتجاوز أوروبا واليابان، فمتى تخرج منطقتنا العربية من حالة التكاره التي تراوح بين كمون وظهور؟!