د. محمد حامد الغامدي

هل نحن مستعدون لوضع أهدافنا الضيقة جانبا؟!

 ما الحضارة؟! سؤال الأسبوع الثالث، في هذا الصيف، أعيشه في (الدمام) التي أحب، لم أغادر، بقيت مع رضا العيش بحرارتها ورطوبتها. عشت مرحلة من تاريخها. هل كان لهذه المعايشة دور في طرح السؤال؟! ما الذي قاد لطرحه؟! هل كان الإنسان السبب، أم المكان، أم أحداث الأمة العربية، ومشاكلها المعقدة؟! هناك سبب أجهله. سؤال أتى وكفى. لن أبحث عن مراجع لتوثيق الإجابة. أقف مع نفسي، على نواصي شوارع وساحات معرفة، جمعتها خلال سني حياتي. هنا تأتي عصارة المزيج المعرفي، أجهله وتجهلونه. يظهر مزيج الذات مع كل موقف وسؤال. الإجابة تمثل الحكمة ونقيضها. الحكمة مزيج الذات المُتقن، نتاج مكوناتها الصافية. الحكمة رأي صائب، يحمل الخير والبركة. الحكمة خلاصة التجربة والمعرفة، والخيال والتخيل، والخبرة الواسعة. الإجابة تتشعب، تأخذ وقتا للتفكير والتحليل والاستنتاج، وأيضا للنقاش والحوار مع الذات. كلما زاد القصور في بناء الذات، كان الفرد أقرب لغلق باب النقاش والحوار مع ذاته. لا أدعي المعرفة والثقافة. أدعي قدرتي على مناقشة ذاتي، ونجاحي في الحوار معها طويلا، وأيضا اقحامها في مجاهل وغموض الأسئلة، منها هذا السؤال عن تعريف الحضارة.الحضارة إنسان مهيّأ، وفق حسابات، في أي زمان ومكان، وتحت أي ظرف. تقوى الحضارة بقوة صلاحية وعطاء عقل الإنسان هناك تعريفات للحضارة ومعانيها. لست بصدد توثيق معنى الحضارة بشكل علمي، أبحث عن فلسفة أخرى، نتاج ما أحمل من معلومات أجهلها، كنزتها الذات خلال مسيرة حياتي. أرغب الرجوع إلى أرشيف ذاتي، لأكتشف مقدار ما تحمل ونوعيته. لا خجل من التستر والإحجام عن إعطاء إجابة شخصية، قد يسخر عليها ومنها البعض، وقد تنال إعجاب البعض. المهم أن يكون لذاتي إجابة تحمل فلسفة ذات بعد مفيد، حتى تخصصي العلمي، وأيضا وضعي الأكاديمي، يحملان أبعاد وضع الإجابة. هل الحضارة أن تعيش اليوم أفضل من الأمس؟! هل الحضارة أن تستطيع البقاء، محافظا على استمرار نسلك؟! هل الحضارة أن يسلم الآخرون من سوء تصرفاتك؟! هل الحضارة هيمنة وتقنيات، جيوش واختراعات، سيطرة ونفوذ؟! هل هي مراكز قوى؟! هل هي غنى ومال وجاه؟! ما مكونات الحضارة؟! هل المال شريانها، أم القيم والأخلاق، أم البيئة وعطاؤها، أم أنها خليط من كل شيء؟! هل الحضارة أن تعيش بسلام وأمن، وأن تهب السلام والأمن لغيرك؟! هكذا يكون الصراع عندما يكون هناك عصف فكري مع الذات. لا أسعى لإنهاك ذاتي وحشرها في زوايا العجز، أسعى إلى البحث والتنقيب عن إجابة، تأتي من وسط غبار تراكم المعلومات والمعرفة في أرشيف الذات. أجهد ذاتي، محاولا حملكم على المحاكاة، للوصول إلى إجابة تأتي بصدق من ذاتك وإليها. عندما أتحدث عن الحضارة، فلا بد أن يكون هناك إنسان متحضر، وأشياء حضارية، وحياة حضارية، وتصرفات حضارية. للحضارة نتائج، لكن هل لها مواصفات ومعايير تحدد الإجابة؟! هل يمكن تعميمها على الجميع؟! عبر التاريخ هناك حضارات سادت ثم بادت، بقي منها مؤشرات ورموز وملامح، تساعد على تحديد الإجابات، وفق معلومات ساهمت في بناء الذات. نتعجب من عدم استمرار الحضارات، نتعجب لتوقفها واندثارها. كنتيجة، يأتي السؤال: من يصنع الحضارة؟! من يحدد اسمها وأبعادها وملامحها؟! في أحد المقالات السابقة ذهبت بالقول إلى أن الحضارة عقل. هذا يعني أن العقل يقود الحضارة، يشكلها ويلونها، يسبغ عليها النعمة أو النقمة. هل هذا التعريف شاف وكاف؟! الجواب واضح بجلاء. الإنسان وحده يضع الإجابة في كل العصور والمراحل. الإنسان وحده يترك البصمة على مسيرة حضارته التي رسمها لنفسه. ماذا يعني هذا؟! يعني أن لكل فرد حضارة خاصة، يتوقف عليها طريقة عيشه، ومكانته، تحدد وضعه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، يتوقف عليها فلسفته ومنهجه في الحياة. أعود إلى السؤال الأول، طرحته في المقال الأول من سلسلة التساؤلات الصيفية، هل نحن حضاريون؟! كنتيجة هل الحضارة مكارم أخلاق؟! هل الحضارة عادات وتقاليد؟! هنا يكون نبع الاختلاف، للتفسير والرفض والقبول. إذا كانت الحضارة عادات وتقاليد، فهذا يعني صداما حتميا، وفقا لما ذهبت إليه سابقا، من أن لكل فرد حضارة. هنا يأتي بعد آخر، هل للحضارة أهل؟! يجمعون بينهم على قبول السلوك والتصرفات المتداولة، لا يهمهم الآخر، لكن يهم سحب الآخر للرضا والقبول بحضارتهم، هذا يعني رضوخ الآخر. من يستطيع جر الآخر إلى حياض حضارته وإخضاعه لفلسفتها؟. يظل السؤال قائما: ما الحضارة؟! الحضارة تأتي وتذهب. لماذا لا تستمر؟! سؤال يقودني إلى ملامح الجواب، أبحث عنه كجوهرة. للحضارات بدايات، تبدأ متصاعدة العلو، تصل إلى قمة عظيمة، ثم تأتي نقطة الانقلاب، لتتدرج نحو الهبوط، إلى أن تزول. هذا الطلوع والنزول يمثله الرقم العربي (ثمانية). هذه العملية تعني التغيير. أمة غيرت ما بها فصعدت، نفس الأمة غيرت ما بها فهبطت. ماذا تغيّر؟! هذا السؤال يقودني إلى الإجابة التي أبحث. يقول الله سبحانة «أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ». مع التفكير، والربط بما قال (صلى الله عليه وسلم): «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». يبرز دور الصالحين في كل زمان ومكان. هذا يؤكد أن الحضارات تنشط وتقوم على مقدار صلاحية الفرد للقيام بوظيفته كخليفة في الأرض. «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً». تهبط الحضارة في تآكل طاقات الإنسان وإهدارها، بجانب اضمحلال الصلاحية وفسادها. الضعف والجهل خارج مجال قوة الصلاحية ومجالها ونشاطها. الحضارة إنسان مهيّأ، وفق حسابات، في أي زمان ومكان، وتحت أي ظرف. تقوى الحضارة بقوة صلاحية وعطاء عقل الإنسان، وتضمر بضمور عطاء العقل وفساده. الإنسان عاطفة وعقل. الحضارة بناء يشكله العقل وتؤثثه العاطفة. وللعقل والذات متطلبات، يجب عدم توقف تحديثها، تثبيطها تخلّف. العواطف لا تشيد حضارات. الأجيال كقطع الغيار المتجددة المتطورة لتحقيق مبدأ الصالحين. التنافس بين الأمم سيظل قائما، لتحقيق الفوز بأحقية الصلاحية الوارثة من خلال بناء الإنسان.