طرفة عبدالرحمن

ابتزاز الولاية

ثلاثينية تدفع نصف مليون ريال لعمها (شقيق والدها) ليسمح لها بالزواج بعد أن عضلها عشر سنوات، وأخرى خمسينية تشكو أخاها "العشريني" لابتزازه إياها بمبالغ مالية مقابل كل موافقة سفر يمنحها إياها، ومقابل كل طلب مراجعة لها لإحدى الدوائر الحكومية!! كيف؟ ولماذا؟ تجرأ ذلك الرجل (الكبير سنا) في القصة الأولى، وذلك (المراهق) في القصة الثانية على أولئك النساء "الراشدات"؟؟ كيف؟ ولماذا؟ (من الناحية القانونية) وليس من الناحية الأخلاقية أو الإنسانية؛ لأننا لن نعول كثيرا في الوقت الراهن على الأخلاق أو الأعراف أو القيم في ردع الخطأ وتحجيم السلوك الشاذ، دون التدخل القانوني السريع والحاسم لمعالجة هذا النوع من المشاكل الاجتماعية. نعود لـ «كيف؟ ولماذا؟» من الناحية القانونية يحدث هذا؟ ولماذا ظاهرة الابتزاز المالي للمرأة من قبل وليها لم تتغير رغم أن حقوقها من الناحية الشرعية والقانونية شبه مكفولة رسميا؟ والإجابة عن هذا السؤال تختصرها قصة الثلاثينية المعضولة.لماذا يبلغ الأمر في بعض الحالات اضطرار المرأة لأن تجعل ابنها وليا عليها! فقد ذكرت إنها بعد وفاة والدها تربت في بيت عمها، وبعد أن بلغت العشرين تقدم لخطبتها شبان كثر، إلا أن عمها كان يرفض، وعندما بلغت سن الثلاثين سألت عمها عن أسباب رفضه العرسان المتقدمين لها، فأجابها إنه لن يوافق على أي عريس حتى تتنازل له عن المال الذي ورثته من والديها، وهو تقريبا نصف مليون ريال. طبعا هذا الكلام لم يكن مقبولا لها في البداية، لذا اتجهت لعدة محامين لأخذ استشارات قانونية تمهيدا لحل مشكلتها بالطريقة الشرعية، إلا أنهم أكدوا جميعا على وجوب إحضار أدلة تثبت ما طلبه العم منها!! فهل تحتاج الفتاة لدليل عندما تذكر إنها بلغت سن الثلاثين وتريد الزواج بطريقة شرعية لكن وليها يرفض ذلك؟ وأي نوع من الأدلة يمكن الحصول عليه في هذه الحالة خاصة عندما يكون الولي لئيما وينكر ما تدعيه المرأة المتظلمة؟! الشاهد هنا أن تلك الفتاة بعد معرفتها عناء وطول الطريق الذي ستسلكه آثرت الاستسلام وتنازلت عن إرثها لعمها، فزوجها أول شاب تقدم لها بعد "الصفقة". القضية بشكل عام أن "مسألة عضل المرأة" ليست المشكلة الوحيدة في قضايا الأحوال الشخصية للمرأة، فلا أسوأ أيضا على كرامتها وإنسانيتها وكينونتها، من أن تبلغ من العمر خمسين عاما أو أقل أو أكثر وتطلب من أخيها أو ابنها أو أي من كان من أقاربها، موافقة للسفر أو الزواج أو التعليم أو أن تستجديه ليذهب معها لمراجعة إحدى الدوائر الحكومية!! كما حدث مع تلك الخمسينية التي كانت تدفع مبلغا ماليا لأخيها العشريني الذي ربته بعد وفاة والدها، لقاء كل موافقة يمنحها إياها. وهذا النوع من القصص في تكرار مستمر بأحداث وتفاصيل مختلفة، لكن الأسباب لها واحدة. هذا النوع من الممارسات ضد المرأة لا يجرح حقوقها فقط، بل يجرح ثقافة المجتمع وعاداته فهو يضع نساءنا في صورة الناقصات عقليا وأخلاقيا مهما بلغن من العمر والأهلية العقلية أو الأهلية المالية. فالمرأة لا يعتد بولايتها على نفسها تحت أي اعتبار!! ويزداد الوضع سوءا عندما يولى عليها من هو غير كفء لذلك. والسؤال الأبرز الذي يحتاج إلى إجابة منطقية ومفهومة: لماذا يبلغ الأمر في بعض الحالات اضطرار المرأة لأن تجعل ابنها وليا عليها! وقس عليه من أنواع الولايات الأخرى!! ومع بقاء الوضع على ما هو عليه، لن نتعجب من أي نوع من أنواع "ابتزاز الولاية" الذي يمارسه ولي الأمر على وليته.