حسن السبع

ساهر واحد لا يكفي

لقَّنونا آدابَ المشي، وقليل هم "المشَّاؤون" هذه الأيام، نحتاج اليوم أن نتعلم التزام آداب القيادة واحترام أنظمة المرور، فهنالك من يقتحم الدَّوار بحماسة عمرو بن كلثوم منشدا: "إذا الدَّوارُ لاحَ لنا انطلقنا لنسبقَ أو لنصدمَ من يلينا"!، وهنالك من "يأتي الإشارةَ مختالاً فيقطعها يطنّش الذوقَ والقانونَ والناسَا"!، وحسناً فعلت إدارة المرور حين غلَّظت عقوبةَ تجاوز الإشارة الحمراء.راقب حركة السير في شوارعنا، وستجد العجب العجاب، سوف تقتنع أننا بحاجة إلى إعادة النظر في وسائلنا التربوية المتصلة بفن العيش، وستقتنع كذلك أن "ساهر" واحداً لا يكفي، خذ على سبيل المثال، كيف يتصرف بعضهم أثناء الاختناقات المرورية فيصاب بـ"متلازمة" إدوارد مورفي التي عبَّر عنها في أحد قوانينه الساخرة بقوله: "إن المسار الآخر يتحرك دائما بشكل أسرع"! لذلك لا يثبت بعضهم في مسار واحد، وإنما يتحين الفرصة ليُقحِمَ سيارته عنوة في مسار آخر، فإذا لم يتحقق له ذلك اعتلى الرصيف، ثم لا ترى إلا غباره.يتذمر بعضهم من نظام ساهر المروري فكأنه يقول: "دعوني أخالف،، دعوني أستهتر"! أظن أننا سننتظر طويلا قبل أن يتحقق الانضباط، لا خوفا من "ساهر" بل للرغبة في الانضباط باعتباره سلوكا متمدنا، وسينتظر بعضهم طويلا ليتعلم كيف يقف في المسار ويحترم حق الآخرين المنتظرين مثله، بدلا من العمل بمبدأ "من سبق لبق" الذي يناقض صفة الإيثار الجميلة.أُشبِِعَ ساهر هِجَاءً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعض الملاحظات هادف وبعضها زائف، لكن هنالك شبه إجماع على أن النظام قد ساهم في خفض نسبة قطع الإشارات الحمراء، وخفض نسبة الحوادث القاتلة، وكان ضروريا للحد من تهور أولئك الذين يخافون ولا "يختشون"، يتذمر بعضهم من نظام ساهر فكأنه يقول: "دعوني أخالفْ،، دعوني أستهتر"! ويذهب بعضهم إلى أبعد من التذمر والإصرار على المخالفة، فينقل للآخرين خبرته في التحايل على النظام، فهل خطر على بال ذلك "العبقري" أننا البلد الأول عالميا في نسبة عدد الحوادث.أما المفارقة العجيبة فهي أن من ينتقد الإيرادات العالية التي يحققها نظام ساهر هو نفسه الذي يساهم في رفع تلك الإيرادات!، تقيد بالأنظمة وسوف ينام ساهر قرير العين، فلا يشتكي من طول السهر مرددا قول ولي الدين يكن: "يا ليلُ هذا ساهرٌ قلقٌ،، يرعى النجوم وقومه هجعوا".كل الدلائل تشير إلى أننا بحاجة إلى أكثر من "ساهر" يحافظ على الانضباط، ساهر يراقب السيارة التي تنهب الاسفلت ومعها الأرواح، ويراقب الشاب الذي "يُخَمّسُ في الكورنيشِ ظهراً وينتهي به العصر للتفحيط في الطرقات"، والسائق الذي يجعل من الاسفلت سلة نفايات عظمى، ولمن يثير التقزز عندما يجعل من الاسفلت مبصقة، ومن يقف في مواقف أصحاب الاحتياجات الخاصة، ومن ينفث دخان العادم فيلوث البيئة، وهو المعني بقولي: (ونيتك) لوَّث الدنيا دُخَانَا/ وشوّه أرضنا وكذا سَمانَا/ فمن (شُكْمانهِ) سحبٌ تعالتْ// من (الكربونِ) قاصدةً رِئَانَا/ مخالفةٌ تمرُّ بلا عقابٍ/ عياناً في شوارعنا بَيانَا/ فدعْ عنك (الونيتَ) وسُقْ حماراً/ نظيفاً (لا يُكَربنُ) يا أخانا"!، وبحاجة إلى ساهر يحرس المرافق العامة ويراقب نظافتها، ويراقب الأسواق والمطاعم، والقائمة تطول..الخطب والحكم والمواعظ والنصائح والإرشادات والمقالات وكتيبات التوعية لا تكفي وحدها لتحقيق الانضباط، ولا بد من إيجاد نظام رقابي عملي يعزز ذلك الجانب النظري، ولن يتحقق الانضباط إلا إذا شعر المخالف أنه سيدفع ثمنا باهظا، لذلك فإن "ساهر" واحداً لا يكفي!