ليبيا الدولة والقبائل والمدن
17 يوليو 2012م كان اليوم الأول لي في ليبيا، وفي مدينة طرابلس. وبالصدفة المحضة كان ذلك اليوم هو يوم اعلان نتائج أول انتخابات شهدتها البلاد الليبية منذ 1952م حيث تمت الانتخابات في السابع من الشهر نفسه. وتحت الحاح صديق ليبي قديم قضيت معظم اليوم معه في جولة في ارجاء طرابلس التي وصلتها في حدود الساعة الحادية عشرة، واستمرت جولتنا إلى اقتراب المغيب، صديقي القديم حدثني عن كل ما فاتني من أوضاع الانتخابات وتحدث بإعجاب حول التفاؤل الذي انتشر بين الليبيين بمستقبل سياسي واعد لبلادهم، وأظهر مزيدا من الغبطة والحبور وهو يؤكد لي أن الليبيين غيروا معادلة الربيع العربي بالكامل - على حد وصفه - حينما أعطوا أصواتهم لتحالف القوى الوطنية الذي يضم 58 حزباً وأوصلوه بالتالي إلى الحصول على 39 مقعداً من أصل 80 مقعدا المخصصة للتكتلات السياسية.إن أخطر المراحل التي تمر بها البلاد الليبية حالياً هي مرحلة الاصطفاف اللامتناهي، والذي لا يعكس حقيقة الاعلانات والبيانات والخطابات التي تتلى من مجالس المدن والمناطق والقبائل وحتى العشائرفي الوقت الذي لم يحصل فيه حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الاخوان المسلمين إلا على 17 مقعدا فقط.صديقي الليبي وخلال جولتي الأولى في المدينة أطلعني على منطقة باب العزيزة التي كانت معقلاً للنظام السابق، وبجوارها أطلعني على أحد المقرات الانتخابية الكبرى التي نفذت خلالها عملية الانتخابات التي قال أكثر من مرة وبتأكيد عميق أنها غير مسبوقة في البلاد الليبية، ودلل على ذلك بالعدد الكبير من الليبيين الذي اثبتت الاحصائيات انهم ساهموا في عملية الاقتراع بنسبة فاقت 62%، وأن كل ذلك لم يتم في غفلة من الزمن بل كان على مرأى ومسمع من مراقبين محليين ودوليين.وقدر الله أن التقيت بكثير من الليبيين من أعضاء المؤتمر الوطني الليبي العام، ومن أعضاء الحكومات المتعاقبة، وبصحفيين وكتاب، وقضاة وأدباء وكان الكل في تلك الفترة مزهو بفكرة أن الليبيين أبهروا العالم ببناء مؤسساتهم السياسية التي جاءت بعد المجلس الوطني الانتقالي أول جسم سياسي جسد ثورة 17 فبراير 2011م حيث انبثق المؤتمر الوطني الليبي العام ومن تحت عباءته جاءت الحكومات التي سيرت شئون البلاد، وتبلورت الاحزاب السياسية وظهرت الكتل البرلمانية، وتشكلت على درجة اقل مؤسسات مدنية أهلية وحكومية، كل هذه المظاهر كانت متناغمة مع رؤية دولية تريد لليبيا الخروج من فوضى اللادولة التي عاشتها على مدى عقود، ولكن يجب أن نعرف وبحسب التجارب التاريخية أن اقامة المؤسسات ليس شرطاً على نجاحها في عملها، بالإضافة إلى عقبات نوعية أخرى أصبحت هذه المؤسسات عبئا على الليبيين، ووصل الاحتقان في ليبيا إلى درجة الاحتراب واستخدام السلاح، وكان بروز مفهوم عملية استعادة الكرامة لليبيا والليبيين على الرغم من حداثته عبر العمل العسكري الذي يقوده السيد خليفة بالقاسم حفتر باسم الجيش الليبي، كان أحد مظاهر الاحتقان الذي وصل إليه الشارع الليبي، وأبرز نتاج هذا السلوك العسكري المسيس إلى الآن، أنه أبرز إلى السطح حدة الانقسام الذي نما في الحياة الليبية العامة على مدى ثلاثة أعوام، وأصبح الأمر اصطفاف مع وضد، من القبائل والمناطق، والمدن، وأعضاء الحكومة ونواب البرلمان وقيادات الجيش وتيارات القضاء والدفاع والمجالس المحلية.وكما هو معروف أن القبيلة والمنطقة والمدينة في العالم الثالث عموما هي وحدات تفكيك لمؤسسات الدولة الديموقراطية اجمالاً، وما حدث في ليبيا ليس خروجا على الناموس السياسي الدولي، حيث نقلت الاخبار في ليبيا ان مجلس القضاء الأعلى سيشكل لجنة لتستلم سلطات المؤتمر الوطني الليبي العام، الذي اعلن انه لم يعد له من الشرعية شيء بحسب مناصري عملية الكرامة. وأن الأمور تسير إلى تشكيل مجلس أعلى للحكم بناء على مؤتمر فريد من نوعه عقد في طرابلس للقبائل والمناطق، وعلى الرغم من أن تلك الاجتماعات قد تكون ذات تأثير ايجابي في حالة المجتمع الليبي لأن هذه هي اللغة العامة التي يتقنها الجميع لكنها قد لا تروق لقوى معينة، أو قد تستغل في أحسن الأحوال من قبل قوى معينة لتوجيه عناصر اجتماعية وقبلية مناطقية إلى وجهات قد لا تكون في صالح المجموع الليبي العام.إن أخطر المراحل التي تمر بها البلاد الليبية حالياً هي مرحلة الاصطفاف اللامتناهي، والذي لا يعكس حقيقة الاعلانات والبيانات والخطابات التي تتلى من مجالس المدن والمناطق والقبائل وحتى العشائر. وخلال الثلاثة الأعوام المنصرمة من عمر الثورة بنيت مؤسسات كان معول عليها ان تقدم الكثير ولكن المفاجأة أن تلك المؤسسات خفتت تحت وقع الانقسامات، والخوف أن تغيب تماماً من المشهد العام تحت وقع السلاح.