د. ابراهيم العثيمين

ساعة الكرملين تدقُّ في موسكو

دقت ساعة الكرملين في حدود الرابعة مساء، في "القاعة البعيدة" بمقر "روسيا سيفودنيا"، فكانت ورقة ايرينا سفيستونوفا، الباحثة العلمية الكبيرة بمعهد الدراسات الإستراتيجية الروسي، الخبيرة في الشؤون التركية وهي الورقة الثالثة، تحدثت سفيستونوفا في ورقتها عن التحولات في  السياسة الخارجية التركية، وكيف أن تركيا تسعى إلى الزعامة في المنطقة، وذلك من خلال عدة مستويات، المستوى الأول: تعزيز وتقوية موقعها في حلف الناتو، فتركيا ما زالت تلعب دورا مهما  بالنسبة لـ«الناتو» باعتبار موقعها المركزي في الصراعات سواء في العراق أو إيران أو سوريا أو حتى مصر.دول الخليج لا تمانع مطلقاً في أي جهد يهدف إلى تحسين العلاقات بين واشنطن وطهران، فالاستقرار والسلام في إقليم الخليج، هو استقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم ككلحتى في ظل التطورات الأخيرة بشبه جزيرة القرم، تتكرس الأهمية الاستراتيجية لتركيا. فتركيا تملك حدوداً طويلة وصعبة مع روسيا في البحر الأسود، وهي تسيطر على ممرات بحرية مهمة تمر عبرها السفن الروسية المتواجدة في القرم. وبالتالي تركيا تستفيد من حاجة الناتو لها في صد محاولات روسيا التمدد مجددا في محيطها الأوروبي؛ لتكريس نفوذها كقوة إقليمية في المنطقة. المستوى الثاني: تعزيز نفوذها في الشرق الاوسط في إطار ما سمي بـ "العثمانية الجديدة"، وذلك من خلال تحالفاتها مع تنظيم الإخوان المسلمين، ونشر ما يسمى "الديمقراطية الإسلامية"، ولهذا ساندت تركيا الثورة في تونس ومصر بعد فوز الاخوان المسلمين فيها. المستوى الثالث: هو تقوية اقتصادها، فقد تمكنت تركيا في عهد أردوغان من الوصول إلى المرتبة الـ17 على قائمة أقوى الاقتصادات في العالم، بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، حيث اظهرت الأرقام وصول الناتج المحلي الإجمالي في تركيا إلى نحو ثلاثة أرباع تريليون دولار. إلا ان سفيستونوفا مع ذلك ترى انه في الفترة الاخيرة تراجعت سمعة تركيا في العالم العربي، ولم تعد تعتبر النموذج الأفضل لنظام الحكم الإسلامي. وترى أن القيادة التركية لن تواصل نهجها الحالي في الفترة المقبلة، وأن سياسة تركيا الخارجية ستتغير باتجاه التقارب مع إيران وتحسين العلاقات مع العراق. أما الورقة الأخيرة، فكانت عن إيران، قدمها فلاديمير ساجين، الخبير في الشؤون الإيرانية حيث  اسهب في الحديث عن الصراع الطائفي بين الشيعة والسنة، والذي لم يكن واضح المعالم إلا بعد وصول خامنئي إلى السلطة، ثم تطرق إلى التوتر والصراع في النسق الأعلى للسلطة في ايران بين تيار المحافظين الملتفين حول خامنئي وبين تيار الاصلاحيين ويمثلهم الآن روحاني.  كان ساجين من المتفائلين بالتفاهمات الإيرانية - الأمريكية الأخيرة، يقول ان حدة التوتر في العلاقات مع الغرب سوف تخف عما كانت عليه ايام نجاد، وان الحكومة الايرانية الحالية تتطلع الى اقامة علاقات طبيعية مع الغرب، وكذلك مع دول الخليج العربي. كانت مداخلتي تنصب في ثلاث نقاط رئيسية، الأولى: إن التقارب الإيراني الأمريكي لم يكن مختصرا على الاحتياج الايراني؛ لرفع العقوبات كما يشير ساجين، وانما كان بسبب احتياج امريكي- ايراني، فأمريكا منذ وصول اوباما الى السلطة انتهجت استراتيجية جديدة، وذلك بتحول الاهتمام من منطقة الشرق الأوسط والتركيز على منطقة آسيا والمحيط الهادي في محاولة لمحاصرة صعود الصين، ويؤكد ذلك استراتيجية اوباما في 2012 ثم ما اكدته هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مجلة «فورين بوليسي» في أن مستقبل السياسة الأمريكية سيتحدد في آسيا والمحيط الهادي، لا في أفغانستان والعراق. ثم تصريح ليون بانيتا، وزير الدفاع الأمريكي السابق  بأن الولايات المتحدة تستعد بحلول عام 2020 إلى إعادة نشر أكثر من 60%  من أسطولها البحري الحربي في منطقة آسيا والمحيط الهادي. ثم جاءت جولة أوباما إلى آسيا مباشرة بعد اعادة انتخابه إلى كل من تايلاند وكمبوديا وميانمار، كمؤشر على هذا التوجه الاستراتيجي لدى امريكا. التركيز على منطقة آسيا والمحيط الهادي كان يترتب عليه إنهاء التورط الامريكي في الشرق الاوسط، وعدم الدخول في اي حروب جديدة. وعليه، لتسوية ملفات الشرق الاوسط كان لا بد من التعامل مع ايران، فالتمدد والتغلغل الايراني في كثير من هذه الملفات سواء بصورة مباشرة كما يحدث في سوريا او في لبنان او العراق او بصورة غير مباشرة عبر شبكات التجسس في اليمن ودول الخليج. النقطة الثانية: ان دول الخليج لا تمانع مطلقاً في أي جهد يهدف إلى تحسين العلاقات بين واشنطن وطهران، فالاستقرار والسلام في إقليم الخليج هو استقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم ككل. إلا ان ما يزعج دول الخليج العربي أن يكون هذا التقارب بين واشنطن وطهران على حساب مصالحها. فدول الخليج تخشى أن يكون هذا الاندفاع الأمريكي نحو إيران من منطلق المصالح الأميركية الخاصة، دون مراعاة هواجس دول الخليج المشروعة، وإغفال إدخالها في صلب عملية إعادة صياغة الخريطة المستقبلية للمنطقة. وبالتالي تكرر واشنطن مع طهران ما فعلته مع موسكو عندما اتفقتا على تسوية الملف الكيماوي في سورية، وأهملتا كافة عناصر ومكونات الأزمة السورية الأخرى. ومن هنا، فإن مبعث القلق الخليجي، من أن تختصر واشنطن الأزمة مع طهران في الملف النووي والانسحاب من أفغانستان، وإهمال قضايا تعاظم نفوذ إيران في الخليج، بما يعيد إيران إلى احتلال مكانتها السابقة باعتبارها الشرطي الأمريكي في الخليج، ما قد يجعلها تفرض شروطها على دول الخليج إزاء بعض المشكلات العالقة. لا سيما أن هناك أصواتا داخل النخب السياسية الأمريكية تتناغم وتتماشى مع استعادة دور ايران  التقليدي في الخليج (كشرطي للخليج).  ففي تقرير أعده كل من مستشار الأمن القومي الأسبق زبغينو بريجينسكي والرئيس الأسبق لوكالة الأمن القومي الجنرال ويليام أودوم تحت عنوان (مسار معقول بشأن ايران) ""A Sensible Path on Iran، انتقدا فيه السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران، التي تعتمد «العصا والجزرة» بأنها فاشلة، واقترحا التفاوض مع إيران وإعادتها إلى دورها التقليدي التي كانت تمارسه قبل 1979 على عهد الشاة السابق، أي دور “شرطي الخليج” فيما سمياه «السياسة الواقعية». النقطة الأخيرة: لا بد لدول الخليج من التعامل مع هذه التبعات المحتملة من هذا التقارب من خلال ثلاثة أمور رئيسية.. 1- تعزيز المنظومة الأمنية وتكريس سياسة الردع 2- تنويع التحالفات السياسية الاستراتيجية 3- إعادة التنسيق مع دول الربيع العربي فالأمن في الخليج يرتبط ارتباطا عضويا بالأمن العربي.