حسن السبع

العالَم بحاجة إلى مكبِّرصوت !

تلفَّتْ حولك، أو حاول أن تطلَّ على العالم من خلال شاشة التلفزيون، وستجد أمثلة صارخة على أن أزمة قيم تعصف بالعالم. خذ على سبيل المثال وليس الحصر كيف يتقدم العالم علميا وتقنيا، وكيف يساهم ذلك التقدم العلمي والتقني في ازدهار الاقتصاد ونمو الثروات، لكن أخلاق السوق تجيز، أحيانا، التخلص من فائض بعض المنتجات الغذائية الضرورية في البحر لتحافظ على أسعارها المرتفعة، وفي مقابل هذا التصرف غير الأخلاقي، هنالك من يبحث عن لقمة عيشه في براميل القمامة. ومعنى هذا أن تلك الإنجازات العلمية والتقنية قد تقود، في غياب الضابط الأخلاقي، إلى نتائج عكسية. كما في "فاوست غوته" الذي أبرم صفقة مع الشيطان فسلَّم له نزاهته الأخلاقية مقابل الحصول على القوة والسلطة وتحقيق النجاح.. نعم، لا يعرف منطق السوق سوى حساب الجدوى والمنفعة وثنائية العرض والطلب.هذا في مجال الاقتصاد، وفي مجال السياسة يمكنك أن تغني "يا ليل ما أطولك"! فقد يجادل أحدهم دفاعا عن قضية عادلة حتى يُبحَّ صوته. لكن المنطق لا يجدي إذا كان مبدأ الطرف الآخر يتلخص في العبارة القائلة: "الغاية تبرر الوسيلة"! ويزداد الطين بلة عندما تكون الغاية ملتوية. هنا لا يوجد قصور في الرؤية بل ضمور في الضمير. ومن لا يفعل ضميره فيه لا تؤثر فيه الكلمات.هل ينفع مكبّر الصوت «المجازي» الذي اقترحه شارل تاليران في إيقاظ الضمائر الميتة؟أما ما نشاهده يوميا من التوحش والقتل بدم بارد فقد عبر عنه توماس كارليل ذات يوم بقوله: "من امتهن القتل كان ضميره ضحيته الأولى" وكارليل هذا مؤرخ وكاتب اسكتلندي ساخر.أما شارل تاليران (1754 – 1838) وهو دبلوماسي، وقائد عسكري فرنسي فيقول: "إن العالم بحاجة إلى مكبّر صوت جيد لذلك الصوت الخافت الذي يُدعى ضميرا"! نعم، هو بحاجة إلى ذلك المكبر المجازي لكي "يلعلع" بما هو حقيقي وعادل. غير أنه  وفي ضجيج الأهواء وصخب المصالح، وتضارب التوجهات والانتماءات، قد لا يجدي مكبر الصوت نفعا مع الضمائر التي توقفت عن العمل تماما. قد ينفع مكبر الصوت في إيقاظ الغافي على وسادة وثيرة من الغفلة، ومساعدة الباحث عن الحقيقة للوصول إليها. فهل ينفع مكبر الصوت "المجازي" الذي اقترحه شارل تاليران في إيقاظ الضمائر الميتة؟ لقد وفر علينا الشاعر العربي جهد البحث عن إجابة، حين قال: "لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيا"! تلك حال ميئوس منها. باختصار فإن الضابط الخلقي أقوى، إن وجد، من الضابط القانوني، لأن الضابط الأخلاقي يأتي طوعا، أما الآخر فيأتي بقوة القانون.في مقدمته لكتاب "تشكيل العقل الحديث" يقول مترجم الكتاب شوقي جلال: "إن الخلاص رهن بوعينا بذاتنا، بكل نقائصها ومتناقضاتها، وليس بستر عيوبنا"، ويضيف: "إن الإنسان الأوربي يعاني، لكنه يدرك أنه يعاني، وأخطر ما يتهدد المريض أن ينكر مرضه وراء أوهام وادعاءات".مجتمعنا العربي الذي تحيط به الأزمات من كل جهة، والذي استخدم مكبرات الصوت طويلا للتباهي بالأمجاد، والتفاخر بما أنجزه الأجداد،  أحوج ما يكون إلى مكبر صوت، ليس لإيقاظ الضمائر وحسب، بل لإيقاظ العقول من سباتها الطويل، وهو بحاجة إلى مكبر صوت للتحدث بصوت مرتفع عن عناصر الخلل الظاهرة والمضمرة، وليعلن من خلاله وبوضوح نقائصه وعيوبه. فالخلاص من الأزمات مرهون برصد الأسباب التي قادت إليها.