همّ المياه الجوفية الذي نحمل
ليلة الأربعاء الماضي، جالسا أمام الشاشة، ظهر معالي وزير المياه، أمامه مقدم البرنامج (داوود الشريان)، أعرفه من أيام الجامعة، كان ممثلا بارعا على مسرح الجامعة، أجاد الأدوار التاريخية، مثلت معه بعض الأدوار، انطلق في عالم الإعلام، حمل ذاته لمواقع عديدة، أصبحت الثّامنة علامة مضيئة في تاريخ مسيرته، رحب بالوزير، شكره الوزير، بدأ حوار الوزير، لأني مهتم بالمياه الجوفية كانت تطلعاتي كبيرة. استمر الحوار، جاء الإعلان، جاءت التغريدات، رجع الوزير يتحدث، جاء الاعلان الثاني، ظهر معاليه للمرة الثالثة، لم يغير جلسته، انتهى البرنامج، بدأ برنامج التساؤلات لدى كاتبكم، أحاور نفسي، بدون فترات إعلانية، مكثت على (الكنبة)، لا حراك، لا كلام، أتطلع إلى تاريخي، أتحسس مكان عقلي. تساءلت في أي كوكب أعيش، حزنت على الوزير، حزنت من الوزير، تيبّس فهمي، توسّع فهمي، أخذت شهيقا، أعطيت زفيرا. أخيرا، قررت قفل التلفاز، توجهت إلى السرير، نمت، أخذت بالمثل القائل: (إذا كثرت همومك نم)، مقابلة زادت معيار همّ المياه الجوفية الذي أحمل، ثلاثة عقود أترافع عن هذه المياه الثمينة، أنجزت ثلاثة كتب، منها (الماء يبحث عن إدارة)، هل قرأها الوزير؟!كنّا نتوقع الحديث عن السياسة المائية لوزارة المياه، عن استراتيجيتها، عن القرارات الشجاعة لحماية المياه الجوفية.. في ظل الصمت، هل تتعرض مياهنا الجوفية لمؤامرة؟ كتبت، وكتبت، وكتبت، من بداية تسعينات القرن الماضي الميلادي، كفاح من أجل المياه الجوفية، هل كنت في شعب والآخرون في آخر؟! تذكرت المثل القائل: [يؤذن في خرابة]، تذكرت قولهم: [ينفخ في قربة مخروقة]، تذكرت أنه لا رأي لمن لا يُسمع له، عرض البرنامج صورا تحمل فاجعة الوضع، كارثة المستقبل، جاءت الاحساء التي أحب ممثلة في صور عين أم سبعة، جفت في بداية التسعينات من القرن الماضي الميلادي، كنت أول باحث رصد جفاف جميع عيون الاحساء، جفت قبل نهاية ثمانينيات القرن المنصرم، علقت جرس الإنذار، رفعت الصوت عبر مقالات كتبتها، ناديت بضرورة انقاذ المياه الجوفية من الاستنزاف. حتى المشروع الوحيد في المملكة للري (مشروع الري والصرف) كان أداة لإهدار المياه الجوفية، تحت عنوان (الأقمار الصناعية تضبط إهدار مياه الاحساء)، كان على غلاف مجلة اليمامة قبل عشرين عاما، بينت أن المشروع لم يحقق أهدافه في جميع مراحل تشغيله، ناديت بضرورة استبدال قنوات الري المفتوحة بأنابيب، بعد كل هذه السنين، بدأ العمل بتحويل القنوات المفتوحة إلى مغلقة، ليس بهدف الحفاظ على مياه عيون الاحساء، فقد انتهت وجفت أرضها، لكن من أجل تبرير مشروع التساؤلات. جفت مياه الأحساء، فتحملت الدولة -أيدها الله- تكلفة نقل مياه الصرف الصحي المعالج من الخبر إلى الاحساء، عبر أنابيب بطول (160) كلم، بتكلفة زادت عن المليار ريال، هكذا وفرنا الماء بالمال الباهظ، فرطنا في مياه الاحساء التي ورثنا، نسأل: هل الاحساء خالية من البشر ليتم جلب الماء من الخبر؟! ماذا عن مياه الصرف الصحي بالاحساء؟! أسئلة تثير الاحتمالات حول المشروع. أكثر من مليار ريال لري واحة الاحساء، بمساحتها لا تتجاوز (8) آلاف هكتار، ثلث مزارعها مهملة، ليس لها إنتاج زراعي يذكر، ما الجدوى الاقتصادية للمشروع؟! هل تستطيع وزارة الزراعة تزويدنا بالإجابة؟! ما فائدة أن يوضح للمشاهد استهلاك كيلو اللحمة من الماء، واستهلاك حبة التمر، واستهلاك ثمرة الحبحب، فات معاليه أنه حتى في أيام (الحصى خبز) كان الاستهلاك هو نفس الاستهلاك، في الوقت الذي كانت قربة واحدة من جلد ماعز تكفي أسرة ليوم كامل، تحمل ما يعادل حولي (30) لترا، كان استهلاك التمر والحبحب وكيلو اللحم هو نفس الاستهلاك، وسيظل. من المفارقات، تأكيده عدم زراعة القمح، اجتهاد لم يتوقف، المشكلة يا صاحب المعالي ليس في استهلاك القمح من المياه، المشكلة في الانتاج الذي يفوق احتياجنا، في التوسعات التي تفوق طاقة التحمل، في الزراعة العشوائية، في فوضى منح الاراضي، في السماح بحفر الآبار، [فرد حفر أكثر من (200) بئر في مزرعته]، المشكلة في تعدد المزارع التي تزيد مساحتها عن مساحة بعض الدول، من سمح بهذا كله؟! كأن البلد خالي من العلماء، في الوقت الذي كان إنتاج القمح يصل إلى (4) ملايين طن سنويا، كان استهلاكه من المياه الجوفية لا يزيد على (5) مليارات متر مكعب، في حينه، كان استهلاك كامل القطاع الزراعي لا يتجاوز (16) مليار متر مكعب، حاليا وبعد توقف زراعة القمح وأيضا أخيه الشعير زاد استهلاك المياه الجوفية بشكل جائر، وصل إلى أكثر من (20) مليار متر مكعب سنويا. كنّا نتوقع الحديث عن السياسة المائية لوزارة المياه، عن استراتيجيتها، عن القرارات الشجاعة لحماية المياه الجوفية، في ظل الصمت، هل تتعرض مياهنا الجوفية لمؤامرة؟! إليكم رسالة أحد طلابي القدامى مواسيا، يقول (حمزة): «الله المستعان، الكلام اللي قاعد يقوله وزير المياه سمعته منك يا دكتور قبل (15) سنة!».