استيفنو.. بين دهاليز الشقاء ومظلومية البكاء
خرجنا من أحد المطاعم الأوزبكية، والذي يدعى "شيخنا "على شارع "أربات" القديم والشهير الممتد من ساحة "سمولينسكايا"، إلى بوابة أربات، ويقع بين شارعي "بريتشيستينكا" و"اربات الجديدة" في موسكو. يعتبر هذا الشارع أهم معالم موسكو التاريخية، التي تشكل شخصيتها، فقد عاش في هذا الشارع الشهير صفوة الكتاب والشعراء الروس، أمثال: شاعر روسيا العظيم الكسندر بوشكين، والكاتب والشاعر الروسي اندريه بيلي. كما كان أربات موطنا للكاتب والشاعر والمغني الروسي الشهير بولات أكودجافا. وقد أحيت موسكو قبل عدة أشهر الذكرى الـ520 لتأسيس هذا الشارع، حيث تحول الشارع الى خشبة مسرح كبيرة، ضمت تمثيليات غنائية وأخرى راقصة؛ إحياء لهذه الذكرى. استيفنو هو روسي عاش سنتين في لندن، يتحدث الانجليزية بمستوى أفضل من ركيك وأقل من جيد، مخلوطة ببعض الكلمات الروسية، جده وجدته كانا من الذين قتلوا في مجزرة كيشينيف في عيد الفصح عام 1903م خرجنا من هذا المطعم الأوزبكي، اللذيذ والراقي، والذي أصبح قدرنا طوال هذه الرحلة، نزولا عند رغبة اخينا المستشار فهد، الذي أرغمنا عليه، فكان كالزواج الكاثوليكي لا طلاق فيه ولا فكاك منه، خرجنا منه ونحن نترنح بعد وجبه دسمة، التفت على ابي محمد وفهد وملحقاته وكل منهم اصبح يهذي من التخمة التي أصابتهما، قلت لهما بعد هذه الوجبة الأوزبكية فلا ألذ من النوم والبطن ممتلئ، وان يلقي الواحد منا بنفسة كجلمود صخر حطة السيل من علي، ولا يدري بعدها عن السياسة بعد كبسة اوزبكية، اردفت اعجازا وناءت بكلكلي. وقفنا على قارعة الطريق لأكثر من نصف ساعة، ونحن نعيش سكرة التخمة بانتظار سائق التاكسي، الذي يأخذنا إلى الفندق، ونحن في اطار المفاوضات على "التسعيرة"، خرج لنا استيفنو بسيارته الكاديلاك الزرقاء القديمة، مبديا استعداده لتوصيلنا الى الفندق، فلما علم اننا من بلاد الزيتيين وسكان الصحراء، صمم ان يأخذنا مجانا الى الفندق، وعند باب الفندق ودعنا صاحبنا بعد ان تبادلنا أرقام الهواتف المحمول على أن نلتقى مرة أخرى، وبالفعل تم اللقاء في اليوم الذي يليه واخذنا بسيارته يتجول بنا في ارجاء موسكو. استيفنو هو روسي عاش سنتين في لندن، يتحدث الانجليزية بمستوى أفضل من ركيك وأقل من جيد، مخلوطة ببعض الكلمات الروسية، جده وجدته كانا من الذين قتلوا في مجزرة كيشينيف في عيد الفصح عام 1903م، وهي المجزرة التي كانت نتيجة للصراع بين الثوار اليهود والحكومة القيصرية، والتي أدت الى مقتل اكثر من 200 يهودي، قتلوا كالخراف كما اخبرنا صاحبنا، مما اضطر اليهود بعدها إلى استخدام السلاح في وجه القيصرية، فكانت بعدها مجزرة أوديسا سنة 1905م، التي قتل فيها عمه وزوج خاله واثنان من ابناء عمه، وهي تعتبر أسوأ المجازر التي تعرض لها اليهود في تلك الفترة، وكانت هذه المجزرة ما هي إلا جزء من سلسلة من الهجمات التي تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر، عندما قام أمراء في القصر الملكي في مملكة روسيا القيصرية بحملة أمنية بعد أزمة الشغب اليهودية في عام 1859 بمدينة أوديسا الروسية، عندما خرج الآلاف من اليهود للقيام بأعمال الشغب والتخريب، فتدخلت الحكومة القيصرية، وقامت بإبادة وقتل عدد من اليهود. على إثر حملات الإبادة التي تعرض لها اليهود في روسيا، اضطر كثير منهم الى المغادرة الى فلسطين، وكان والدا واخوان استيفنو مع الفوج اليهودي الذين هاجروا الى فلسطين واستوطنوا فيها. لم يرق لاستيفنو البقاء في فلسطين فرجع الى روسيا، واكمل الدراسة واستقر في موسكو. مع مرور الوقت اصبح صاحبنا في منزلة بين الصديق المرافق والمرشد السياحي وبين سائق التكسي. وفي مرة من المرات، ضرب على صدره وقال: "العشا علي" بلغته الانجليزية الركيكة المخلوطة ببعض الكلمات الروسية، وقال: اختاروا المطعم الذي تريدون فاخترنا مطعم خورمه على نفس شارع اربات، ومضت ساعة تلو الأخرى، دونما حس أو خبر من صاحبنا عن هذه العزيمة فقررت الدخول معه في مفاوضات، وتغير المطعم الى مطعم اقل منه كلفه، وصاحبنا يستخدم اسلوب المراوغة أو ما يطلق عليه اخواننا المصريون باللف والدوران ما بين دهاليز النساء وسراديب المظلومية والبكاء. التفت إليّ الأصحاب وسألوني عن عزيمة صاحبنا، فقلت والله ما زالت تختنق الدمع بغصة البكاء او انها طور الاحتضار والفناء، ثم التفت بكليتي عليهم وقلت وبما ان استيفنو يرجع الى اصول يهودية، فقد يفاوضني أنا الفقير إلى الله، والوسيط اوزبكي، والمتفاوض عليه عزيمة ودفع فلوس. غني وردد ياليل ما اطولك، وقم واذهب بنا الى مطعم شيخنا مرغمين فنار مستشارنا أهون علينا من جنة بخل صاحبنا ومماطلته.